كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 2)
قال أبو عبد الله: فالمؤمن كريم على ربه، ومقدمه على رب كريمٍ، فمن شأن الملوك أن أحدهم إذا قدم عليه بعض خدمه من سفرةٍ طالت غيبته فيها، أن يتلقاه ببشرى وكرامة، وأن يخلع عليه، ويبسط معه، ويجيزه بالجائزة السنية، ويأمر بأن يهيأ له نزل، كذلك أرانا ربنا من تدبيره لملوك الدنيا، فإذا قدم عليه المؤمن، لقاه روحاً وريحاناً، وبشرى على ألسنة الرسل.
وهو قوله: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله: {ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون}، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام.
فهذه كلها تحفة إلى أن يلقاه في عرصة القيامة، فيبعث به إلى الموطن الذي هيأ له نزلاً، فأول تحفة أن يغفر لحملته إلى بابه، والمصلين عليه؛ لأنهم قد حملوه على أعناقهم تعظيماً له وإكراماً، وتقربوا بالصلاة عليه إليه، فاستوجبوا من الله المغفرة، وجعل تلك المغفرة تحفة لهذا المؤمن الذي قدم عليه، وإن الرجل من عرض الناس لتحمل إليه الهدية، فيستحي أن ينصرف عنه الحامل لتلك الهدية خائباً، حتى يناوله شيئاً.
وإذا رده كذلك، كان في ذلك هجنة له عند الخلق، فكيف بالملك من ملوك الدنيا إذا أهدي له هدية، فانصرف الرسول عنه صفر اليدين؟! فإذاً