كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 2)

من الخطر الصعب العظيم، وعظائم الأهوال، فهم الذين استثناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن تشب نفوسهم وهي شهواتهم، وقليل ما هم.
والامتحان هو: أن يستخرج سره، والسر: هو النور الذي قذفه في قلبه، فإذا استقر ذاك في قلبه، وأشرق في صدره، صار ذلك وقايةً له من جميع مكاره الآخرة، فقيل: تقوى، وإنما هو: وقوى، وحولت الواو تاء، ومأخذه: من الوقاية، فإذا فعل ذلك، فقد امتحنه؛ أي: استخرج سره للوقاية التي في صدره وقلبه؛ لأنه يظهر على الأركان بالأفعال المحمودة المرضية.
فالنفوس شابة وإن هرمت الجوارح، وانهدت الأركان؛ لدوام التنعم بالمال والعمر، إلا هذه الطبقة الممتحنة التي استثناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنفوسهم هرمت في وقت شبابهم، وحداثة أسنانهم؛ لأن شهواتهم قد ذبلت وضعفت بما ولجت تلك القلوب من الخشية والأحزان لما اطلعوا عليه بقلوبهم من علم الملكوت، ولعلمهم بالله صاروا سبياً من سبيه، والمشغوف سبي من به شغف، فإذا شغفت بدنيا، فأنت سبيها، وإذا شغفت بالآخرة، فأنت سبيها، وإن شغفت بالخالق، فأنت سبيه، ومن استولى على قلبك شأنه، فأنت له، هذا جملة الكلام.
وإن ابن آدم ركب في طبعه أن لا تزال نفسه تجمح في طلب شيء، حتى إذا اطلع على أفضل منه، رفضت هذه، وأقبلت على الأفضل، فلا يزال طالباً،

الصفحة 165