كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 2)

قال الله تعالى: {فكسونا العظام لحماً}، فالعظام من الأب، والكسوة من الأم، فلذلك نسب إلى أبيه، وصير حكمه واحد، والعصوبة له في الميراث، والولاية وسائر الأحكام.
فإذا ولد المولود وأبوه يهودي أو نصراني، فهو لاحقٌ بأبيه؛ لأن أصل جسده الذي عليه بني سائر الجسد من مائه، فحكم له في الظاهر في الأحكام بحكم أبيه، فهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فأبواه يهودانه أو ينصرانه)) أي: صار يهودياً أو نصرانياً في ظاهر الحكم بيهودية أبيه ونصرانيته حتى يدرك، فإذا أدرك، فثبت على دين أبيه، فهو معه، وإن أسلم، فقد فارقه، ثم لما صار إلى شأن الآخرة، فقيل: يا رسول الله! فكيف من يموت صغيراً؟ أي: لم يدرك الحلم حتى يكون إسلامه إسلاماً، قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).
معناه: أن الله -تبارك وتعالى- أبرز من غيبه علماً، فجرى القلم في اللوح بذلك العلم من الشقاء والسعادة، فردهم إلى علم الله الذي خلقهم شقياً وسعيداً، فقد علم الله أن لو عاشوا حتى يدركوا ما كان يظهر على ألسنتهم من كلمة الشقاء والسعادة اعترافاً بلا إله إلا الله، أو جحوداً به، وانقياداً له، قابلين لأمره، أو عياذاً عنه، معرضين عن أمره، فإن مات أحدهم صغيراً قبل أن يظهر هذا، فالله أعلم ما كان يكون، ومن أي الصنفين هو.
وأما قوله: (كما تناتج الإبل هل تحس من جدعاء): فإنه يقول: إن الأنعام إذا تناتجت، فمولودهن سوي صحيح، فعمد المشركون فجدعوا آذانها، وذلك أن العرب في الجاهلية ابتدعوا بدعاً، وزين لهم الشيطان ذلك،

الصفحة 209