كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 2)

وقتلوا وأضروا حتى بلغ من أمرهم، وما تأذى بهم المشركون أن وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يضمهم إلى نفسه؛ كي يرتفع عنهم ضررهم، ثم أسلم سهيل بن عمرو، وقتل شهيداً في خلافة عمر رضي الله عنه.
فأهل سعة الصدور عاشوا مع الله في دار الحبس، والضيق، عيش أهل الجنان، وإنما نالوا ذلك كله بذلك النور الذي انشرحت به صدورهم، فاتسعت لتدبير الله، وأن الله -تبارك اسمه- دبر للعباد أموراً فقد مرنت النفوس سلوك طريق ذلك التدبير، وعرفوه، ووطنوه، ثم له -تبارك اسمه- في ذلك التدبير تدبير آخر مختصر.
فأهل الضيق يتحيرون هناك، ويضيقون، ومن عاين الصنفين، والتدبيرين، لم يضق، فإن لله في كل تدبير مشيئةً، إن شاء أمضاه، وإن شاء أخره، فالتدبير الذي قد وطنه الناس: أن يكون الولد من ذكرٍ وأنثى، فاختص الله لعيسى تدبيراً، فحملت به مريم من غير ذكرٍ، فتحير فيه علماء ذلك الزمان، وأحبارهم، وهلك فيه العوام والسفهاء، وأدركت مريم بعض تلك الحيرة، فقالت: {أنى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء}، فأبصرت وأذعنت لحكم ربها، فاستوجبت بذلك أن أثنى عليها رب العالمين فقال: {وصدقت بكلمات ربها}، وقال: {وأمه صديقةٌ}.
فمن سماها الله في تنزيله صديقة هو البالغ في الصدق بشهادة الله له بذلك، وكذلك فعل زكريا فيما بشر به من الولد بعد الكبر، وكذلك رزق مريم: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حسابٍ}؛ أي بغير

الصفحة 253