كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 2)

على الله، فلا أحد أحسن خلقاً منه، ولا أكرم منه، فليس الشأن في الجود بالمال، الشأن في الجود بالنفس، حتى تسلمه إلى خالقه، فجرت هذه الدعوة في ولد إسماعيل خاصةً أن صيرهم أمةً مسلمةً له، فوهب لهم أخلاق الكرام، حتى تكرمت نفوسهم على الله بذلاً حين جاءهم الرسول، ومن قبل مجيء الرسول، كانت تلك الأخلاق ظاهرةً فيهم، فلما جاء الرسول، وجدهم مهذبين كراماً، فصاروا صديقين، وأبراراً وأتقياء، وحكماء، وعلماء بالله، باذلين مهجهم لله وأموالهم، السيوف على عواتقهم، والحجر على بطونهم من الجوع، ينصرون الله ورسوله، وبنو إسرائيل قالوا لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون}، وقيل لأمة محمدٍ: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}، فكانت تلك منهم كلمة صدق من قلوبهم، فحكى الله عنهم في تنزيله، وأثنى عليهم بذلك، فصار قولهم هاهنا كقول أبيهم حين ألقي في النار فقال: حسبي الله ونعم الوكيل.
فهل يمكن ظهور هذا إلا ممن حسن خلقه، فجاد بنفسه على الله، وإنما قال هذا أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ بعدما انهزموا، وأصابتهم جراحاتٌ، وقتل من قتل منهم، وانصرف عسكر المشركين، فنزلوا مكاناً، وتآمروا فيما بينهم أن يجمعوا جمعاً، فيكروا عليهم، ووشوا إلى أصحاب

الصفحة 267