كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 2)
الخشية: فيمتنع بها من جميع ما كره الله، دق أو جل، والخشية هي من القربة، ومن العلم بالله، فإذا علم؛ لزمه الخوف أعني (من المعرفة ومن تعظيم الله، فإذا غلبه) خوفه، لا خوف العقاب، إنما هو خوف العظمة، فإذا كان الخوف لازماً للقلب، غشاه بالمحبة، فيكون بالخوف معتصماً مما كره، دق أو جل، وبالمحبة منبسطاً في أموره، بتلك الخشية، فلو تركه مع الخوف، لانقبض، وعجز عن كثير من أموره، ولو تركه مع المحبة، لاستبد وتعدى، ولكنه -تبارك اسمه- لطف له، فجعل الخوف بطانته، والمحبة ظهارته؛ حتى يستقيم به قلبه، ثم يرقيه إلى مرتبة أخرى، وهي: الهيبة والأنس.
فالهيبة: من جلاله، والأنس: من جماله، فإذا نظر إلى جلاله، هاب، فانقبض، فلو تركه هكذا؛ لصار عاجزاً عن جميع أموره؛ كثوب ملقى، أو كجنة بلا روح، وإذا نظر إلى جماله، امتلأ كل عرق منه فرحاً وسروراً، ولذة ونعيماً؛ لامتلاء قلبه، فلو تركه هكذا؛ لاحتمله ذاك، فأداه إلى التعدي والإفراط، لكنه لطف له، فجعل الهيبة شعاره، والأنس دثاره، حتى يستقيم به قلبه، فهذا عبد ظاهره الأنس بالله، وباطنه الهيبة من الله.