كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 2)

فمن سأل شيئاً من الدنيا -وإن دق-، فكانت مسألته لنفسه، لا لله، فهو مذموم، وقد دخل في طلب الدنيا المذموم، ومن سأل الدنيا -وإن جل-، فكانت مسألته لله، فهو محمود، وليس ذلك لسؤال دنياه، ولا لطلب له، فقد سأل الأنبياء الدنيا، وطلبوها، فكان سؤالهم وطلبهم لله، فلم يذموا في ذلك، فلذلك جاز لسليمان عليه السلام أن جعل المسألة التي أوجبت له في شأن المملكة.
ألا ترى أنه ذكر العبد الآخر صلى الله عليه وسلم أنه سأل إهلاك الدنيا، فقال: {لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً}.
فغرقت الدنيا كلها بدعوته، وفسدت، فلو كانت الدعوة لغير الله، لكان مذموماً، ولو كان يغضب لنفسه وللدنيا، ويسأل إهلاك الدنيا، لكان مذموماً، فإنما سأل عبد مملكتها لله، وسأل عبد دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك.
فأجيب نوح، فأهلك من عليها، وأعطي سليمان المملكة، ثم قال: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حسابٍ}.
فرفعت التبعة؛ لأنه قد جعل له من قبل السؤال حاجة مقضية، فلذلك لم يكن عليه تبعة، وأما رسولنا صلى الله عليه وسلم، فأخرها؛ لتكون تلك الحاجة له مقضية

الصفحة 364