كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 2)
{إنما المؤمنون إخوةٌ}، وقال: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ}.
ففي النفس هنأة، وفي الصدر سخائم من تلك الهنآت، فإن الآدمي ركب على طبائع شتى، وأخلاق مختلفة، والشهوات فيهم مركبة، والعدو موسوس ومحرض، ومزين لصاحبه سوء عمله.
والنفوس جبلت على حب من أكرمها؛ لأنها تحب الشهوات، ومن رؤوس الشهوات العز والتعظيم، وقد أحبت أن تنال بذلك من الدنيا وقضاء المنى، ففي ترك النفوس تقويمها، وذلك لها عون على دينها، فإنما حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإجابة، ليقبل ذلك البر الذي بره به أخوه، حتى تتأكد الألفة، وتصفو المودة، وتنفى حزازات الصدر، فإن صاحب الغل والحقد لا يسلم له دينه من سوء ما يضمر لأخيه، فالإطعام بر للنفس، يطفئ حرارة الحقد، وينفي مكامن الغل.
قال أبو عبد الله: فالألفة من ثلاثة وجوه: حتى تتأكد وتستتم، فالقلب يألف بالإيمان الذي في قلب صاحبه، والروح تألف بطاعته، والنفس تألف ببرها؛ كأنها تقول: إني من شأني الشهوات واللذات، فهل يمر بي أحد حتى آلفه وأحبه، ليس من همتي الإيمان والطاعات، إنما من همتي اللذات، فألزمت الإيمان والطاعة، فانقدت لما قادني القلب والروح، فإذا برها، صفت، وصارت طوعاً، وإلا، فهو كالمكره، فوجدنا الألفة إنما تتم ببر النفوس، فإنما دعاه أخوه إلى قبول بره، فندبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يقبل ذلك من أخيه، كيلا تضيع كرامته، ولا يجد العدو سبيلاً إلى وسوسته بالشر، ثم له الخيار، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك.