كتاب رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (اسم الجزء: 2)

الثالث: قوله: «فما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - غضب في موعظة قط، أشد مما غضب يومئذ»: فيه: الغضب للموعظة، وذلك يكون إما لمخالفة الموعوظ لما علمه، أو (¬1) التقصير في تعلمه، والله أعلم.
وشدة غضبه -عليه الصلاة وةالسلام- إنما هو لفرط الشفقة على أمته، والحرص على تألفهم، وصرف المشقة عنهم، ولا ينافي هذا ما جاء من النهي عن أن يقضي القاضي وهو غضبان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف غيره؛ إذ لا يستفزه الغضب، ولا يقول في الغضب والرضا إلا حقا، ولا يحكم إلا بالحق.
الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إن منكم منفرين»: هو من باب قوله -عليه الصلاة-: «ما بال أقوام يفعلون كذا؟» من غير مفاجأة بالخطاب لمعين، وإن كان هو معينا عنده - صلى الله عليه وسلم -؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث بريرة: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟»، الحديث (¬2).
ومنه في حديث: «الأعمال بالنيات، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله»، الحديث (¬3)، ولم يعين مهاجر أم قيس؛ سترا منه - صلى الله عليه وسلم - على فاعل ذلك، ولا يبعد عندي أن يكون ذلك أدخل في الزجر؛ إذ فيه الإع راض منه - صلى الله عليه وسلم - عن مواجهة ذي المخالفة، والإعراض عن المخالف
¬__________
(¬1) في "خ": "و".
(¬2) سيأتي تخريجه.
(¬3) تقدم تخريجه.

الصفحة 146