كتاب رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (اسم الجزء: 2)

الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «اللهم»: قد تقدم الكلام عليه بما يغني عن الإعادة، ولكن يزاد هنا أن يقال: المقصود بها: نداء الله تعالى، وتجيء حشوا بعد عموم، حثا للسامع على حفظ القيد المذكور بعدها، أو تنبيها على أنه بمثابة يستغفر التارك له؛ كقولك: أنا لا أنقطع عن زيارتك، اللهم إلا أن يمنع مانع لا تقدر على دفعهخ، ولألزمنك أبدا، اللهم إلا أن تكره مني شيئا.
وفي كلا م الحريرير: وما قيل في المثل الذي سار سائره: خير العشاء سوافره، إلا ليعجل التعشي، ويجنب أكل الليل الذي يعشي، اللهم إلا أن تقد نار الجوع، وتحول دون الهجوع (¬1).
فأنت تراه في مثله هذا لا يكاد يفارق حرف الاستثناء، وإنما ذكؤرت هذا هنا، فإن كان لا يمس بمعنى الحديث؛ ليشتمل الكتاب على جملة معناها، وتكميلا لما تقدم (¬2).
الخانس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب»: كأن المراد بالمباعدة هنا أحد أمرين: إما ترك المؤاخذة بها، وإما المنع من وقوعها، والعصمة منها، وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون قصدا للتعليم، وإما إظهارا لحال العبودية، وإلا، فهو - صلى الله عليه وسلم - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والثاني: أظهر؛ إذ لو قصد التعليم، لجهر به، ولا يبعد عندي أن
¬__________
(¬1) انظر: "مقامات الحريري" (ص: 44).
(¬2) في "ق" زيادة: "منه".

الصفحة 152