كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 2)

على السارق والزاني وهو المنطوق به فهم كون السرقة والزنا علة للحكم وكونه علة غير منطوق به لكن يسبق إلى الفهم من فحوى الكلام وقوله تعالى{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}]الانفطار:13[أي لبرهم وفجورهم وكذلك كل ما خرج مخرج الذم والمدح والترغيب والترهيب وكذلك إذا قال ذم الفاجر وامدح المطيع وعظم العالم فجميع ذلك يفهم منه التعليل من غير نطق به
وهذا قد يسمى:إيماء وإشارة كما يسمى فحوى الكلام ولحنه وإليك الخيرة في تسميته بعد الوقوف على جنسه وحقيقته.
الضرب الرابع: فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده كفهم تحريم الشتم والقتل والضرب من قوله تعالى {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} ]الاسراء: من الآية23[ وفهم تحريم مال اليتيم وإحراقه وإهلاكه من قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً } ]النساء: من الآية10[ وفهم ما وراء الذرة والدينار من قوله تعالى {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} ]الزلزلة:7[وقوله {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} ]آل عمران: من الآية75[وكذلك قول القائل ما أكلت له برة ولا شربت له شربة ولا أخذت من ماله حبة فإنه يدل على ما وراءه
فإن قيل:هذا من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى
قلنا:لاحجر في هذه التسمية لكن يشترط أن يفهم أن مجرد ذكر الأدنى لا يحصل هذا التنبيه ما لم يفهم الكلام وما سيق له فلولا معرفتنا بأن الآية سيقت لتعظيم الوالدين واحترامهما لما فهمنا منع الضرب والقتل من منع التأفيف إذ قد يقول السلطان إذا أمر بقتل ملك لا تقل له أف لكن اقتله وقد يقول والله ما أكلت مال فلان ويكون قد أحرق ماله فلا يحنث

الصفحة 195