كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 2)

نقد بعض الحدود الأخرى للقياس:
أما قول من قال في حد القياس :أنه الدليل الموصل إلى الحق أو :العلم الواقع بالمعلوم عن نظر أو رد غائب إلى شاهد فبعض هذا أعم من القياس وبعضه أخص ولا حاجة إلى الأطناب في إبطاله
وأبعد منه إطلاق الفلاسفة اسمه على تركيب مقدمتين يحصل منهما نتيجة كقول القائل كل مسكر حرام وكل نبيذ مسكر فيلزم منه أن كل نبيذ حرام فإن لزوم هذه النتيجة من المقدمتين لا ننكره لكن القياس يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بنوع من المساواة إذ تقول العرب لا يقاس فلان إلى فلان في عقله ونسبه وفلان يقاس إلى فلان فهو عبارة عن معنى إضافي بين شيئين.
وقال بعض الفقهاء:القياس هو الاجتهاد وهو خطأ لأن الاجتهاد أعم من القياس لأنه قد يكون بالنظر في العمومات ودقائق الألفاظ وسائر طرق الأدلة سوى القياس ثم أنه لا ينبىء في عرف العلماء إلا عن بذل المجتهد وسعه في طلب الحكم ولا يطلق إلا على من يجهد نفسه ويستفرغ الوسع فمن حمل خردلة لا يقال اجتهد ولا ينبىء هذا عن خصوص معنى القياس بل عن الجهد الذي هو حال القياس فقط
مقدمة أخرى في حصر مجاري الإجتهاد في العلل
اعلم أنا نعني بالعلة في الشرعيات مناط الحكم أي ما أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به ونصبه علامة على الحكم
والاجتهاد في العلة إما أن يكون في تحقيق مناط الحكم أو في تنقيح مناط الحكم أو في تخريج مناط الحكم واستنباطه

الصفحة 237