كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 2)

اتباعا لموجب الدليل ولو ورد الشرع بالرخصة فيه لم يكن ذلك ممتنعا
مسألة: القائلين بوجوب القياس عقلا :
الذين ذهبوا إلى أن التعبد بالقياس واجب عقلا متحكمون فمطالبون بالدليل ولهم شبهتان:
الأولى: أن الأنبياء مأمورون بتعميم الحكم في كل صورة والصور لا نهاية لها فكيف تحيط النصوص بها؟ فيجب ردهم إلى الاجتهاد ضرورة ؟
فنقول: هذا فاسد لأن الحكم في الأشخاص التي ليست متناهية إنما يتم بمقدمتين كلية كقولنا كل مطعوم ربوي وجزئية كقولنا هذا النبات مطعوم أو الزعفران مطعوم وكقولنا كل مسكر حرام وهذا الشراب بعينه مسكر وكل عدل مصدق وزيد عدل وكل زان مرجوم وماعز قد زنى فهو إذا مرجوم
والمقدمة الجزئية هي التي لا تتناهى مجاريها فيضطر فيها إلى الاجتهاد لا محالة وهو اجتهاد في تحقيق مناط الحكم وليس ذلك بقياس أما المقدمة الكلية فتشتمل على مناط الحكم وروابطه وذلك يمكن التنصيص عليه بالروابط الكلية كقوله كل مطعوم ربوي بدلا عن قوله لا تبيعوا البر بالبر وكقوله كل مسكر حرام بدلا عن قوله حرمت الخمر وإذا أتى بهذه الألفاظ العامة وقع الاستغناء عن استنباط مناط الحكم واستغنى عن القياس

الصفحة 247