كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 2)

العلة المنصوصة مثار الظن واحد وهو إلحاق الفرع لأنه مبني على الوقوف على جميع أوصاف علة الأصل وأنه الشدة بمجردها دون شدة الخمر وذلك لا يعلم إلا بنص يوجب عموم الحكم ويدفع الحاجة إلى القياس
أما قوله في العلة المستنبطة:أنه لا يؤمن فيها الخطأ فهذا لا يستقيم على مذهب من يصوب كل مجتهد إذ شهادة الأصل للفرع عنده كشهادة العدل عند القاضي والقاضي في أمن من الخطأ وإن كان الشاهد مزورا لأنه لم يتعبد باتباع الصدق بل باتباع ظن الصدق وكذلك هاهنا لم يتعبد باتباع العلة بل باتباع ظن العلة وقد تحقق الظن
نعم هذا الإشكال متوجه من يقول المصيب واحد لأنه لا يأمن الخطأ ولا دليل يميز الصواب عن الخطأ إذ لو كان عليه دليل لكان آثما إذا أخطأ كما في العقليات
ثم نقول: إنما حملهم على الإقرار بهذا القياس إجماع الصحابة ولم يقتصر قياسهم على العلة المنصوصة إذ قاسوا في قوله أنت علي حرام وفي مسألة الجد والإخوة وفي تشبيه حد الشرب بحد القذف لما فيه من خوف الافتراء والقذف أوجب ثمانين جلدة لأنه نفس الإفتراء لا الخوف من الافتراء ولكنهم رأوا الشارع في بعض المواضع أقام مظنة الشيء مقام نفسه فشبهوا هذا به بنوع من الظن هو في غاية الضعف فدل أنهم لم يطلبوا النص ولا القطع بل اكتفوا بالظن
ثم نقول إذا جاز القياس بالعلة المعلومة فلنلحق بها المظنونة في حق العمل كما لتحق رواية العدل بالتواتر وشهادة العدل بشهادة النبي عليه السلام المعصوم والقبلة المظنونة بالقبلة المعاينة
وهذا فيه نظر لأنا وإن أثبتنا خبر الواحد وقبول الشهادة بأدلة قاطعة فقبول الشرع الظن في موضع لا يرخص لنا في قياس ظن آخر عليه بل لا بد من دليل على القياس المظنون كما في خبر الواحد وغيره

الصفحة 288