إلا في تحقيق وجود علة الأصل في الفرع فإن العلة إذا كانت محسوسة كالسكر والطعم والطوف في السؤر فوجود ذلك في النبيذ والأرز والفأرة قد يعلم بالحس وبالأدلة العقلية أما أصل تعليل الحكم وإثبات عين العلة ووصفها فلا يمكن إلا بالأدلة السمعية لأن العلة الشرعية علامة وأمارة لا توجب الحكم بذاتها إنما معنى كونها علة نصب الشرع إياها علامة وذلك وضع من الشارع ولا فرق بين وضع الحكم وبين وضع العلامة ونصبها أمارة على الحكم فالشدة التي جعلت أمارة التحريم يجوز أن يجعلها الشرع أمارة الحل فليس إيجابها لذاتها ولا فرق بين قوله الشارع راجموا ماعزا وبين قوله جعلت الزنا علامة إيجاب الرجم
هل تثبت العلة بغير النص ؟
فإن قيل:فالحكم لا يثبت إلا توقيفا ونصا فلتكن العلة كذلك ؟
قلنا:لا يثبت الحكم إلا توقيفا لكن ليس طريق معرفة التوقيف في الأحكام مجرد النص بل النص والعموم والفحوى ومفهوم القول وقرائن الأحوال وشواهد الأصول وأنواع الأدلة فكذلك إثبات العلة تتسع طرقه ولا يقتصر فيه على النص .
المقدمة الثالثة: درجات إلحاق المسكوت بالمنوطوق:
إن الحاق المسكوت بالمنطوق ينقسم إلى مقطوع ومظنون والمقطوع به على مرتبتين:
إحداهما : أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به كقوله {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } [الاسراء: من الآية23] فإنه أفهم تحريم الضرب والشتم وكقوله عليه السلام "أدوا الخيط والمخيط" فإنه أفهم تحريم الغلول في الغنيمة بكل