أبطلتم القول بالمفهوم إذ مستند القائل به أنه لا بد من باعث على التخصيص ولم يظهر لنا باعث سوى اختصاص الحكم فإذا هو الباعث إذ قلتم بما عرفتم أنه لا باعث سواه فلعله بعثه على التخصيص باعث لم يظهر لكم
وهذا كلام واقع في إمكان التعليل بمناسب لا يؤثر ولا يلائم
والجواب: أن هذا استمداد من مأخذ نفاة القياس وهو منقلب في المؤثر والملائم فإن الظن الحاصل به أيضا يقابله احتمال التحكم واحتمال فرق ينقدح واحتمال علة تعارض هذه العلة في الفرع ولا فرق بين هذه الاحتمالات ولولاها لم يكن الإلحاق مظنونا بل مقطوعا كإلحاق الأمة بالعبد وفهم الضرب من التأفيف
وقول القائل أن هذا وهم وليس بظن ليس كذلك فإن الوهم عبارة عن ميل النفس من غير سبب مرجح والظن عبارة عن الميل بسبب ومن بنى أمره في المعاملات الدنيوية على الوهم سفه في عقله ومن بناه على الظن كان معذورا حتى لو تصرف في مال الطفل بالوهم ضمن ولو تصرف بالظن لم يضمن فمن رأى مركب الرئيس على باب دار السلطان فاعتقد أن الرئيس ليس في داره بل في دار السلطان وبنى عليه مصلحته لم يعد متوهما وإن أمكن أن يكون الرئيس قد أعار مركبه أو باعه أو ركبه الركابي في شغل ومن رأى الرئيس أمر غلامه بضرب رجل وكان قد عرف أنه يشتم الرئيس فحمل ضربه على أنه شتمه كان معذورا ومن رأى ماعزا أقر بالزنا ثم رأى النبي عليه السلام قد أمر برجمه فاعتقد أنه أمر برجمه لزناه وروى ذلك كان معذورا ظانا ولم يكن متوهما ومن عرف شخصا بأنه جاسوس ثم رأى السلطان قد أمر بقتله فحمله عليه لم يكن متوهما
فإن قيل لا بل يكون متوهما فإنه لو عرف من عادة الرئيس أنه يقابل الإساءة بالإحسان ولا يضرب من يشتمه وعرف من عادة الأمير الإغضاء عن الجاسوس إما استهانة بالخصم أو استمالة ثم رآه قتل جاسوسا فحكم بأنه قتله لتجسسه فهو متوهم متحكم أما إذا عرف من عادته ذلك فتكون عادته المطردة علامة