كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 2)

قوله عليه السلام : "لا يقض القاضي وهو غضبان" إنه إنما جعل الغضب سبب المنع لأنه يدهش العقل ويمنع من استيفاء الفكر وذلك موجود في الجوع المفرط والعطش المفرط والألم المبرح فنقيسه عليه وكقولنا أن الصبي يولي عليه لحكمة وهي عجزه عن النظر لنفسه فليس الصبا سبب الولاية لذاته بل لهذه الحكمة فننصب الجنون سببا قياسا على الصغر
والدليل على جواز مثل ذلك اتفاق عمر وعلي رضي الله عنهما على جواز قتل الجماعة بالواحد والشرع إنما أوجب القتل على القاتل والشريك ليس بقاتل على الكمال لكنهم قالوا إنما اقتص من القاتل لأجل الزجر وعصمة الدماء وهذا المعنى يقتضي إلحاق المشارك بالمنفرد
ونزيد على هذا القياس ونقول: هذه الحكمة جريانها في الأطراف كجريانها في النفوس فيصان الطرف في القصاص عن المشارك كما يصان عن المنفرد وكذلك نقول يجب القصاص بالجارح لحكمة الزجر وعصمة الدماء فالمثقل في معنى الجارح بالإضافة إلى هذه العلة فهذه تعليلات معقولة في هذه الأسباب لا فرق بينها وبين تعليل تحريم الخمر بالشدة وتعليل ولاية الصغر بالعجز ومنع الحكم بالغضب
فإن قيل:المانع منه أن الزجر حكمة وهي ثمرة وإنما تحصل بعد القصاص وتتأخر عنه فكيف تكون علة وجوب القصاص ؟بل علة وجوب القصاص القتل
قلنا: مسلم أن علة وجوب القصاص القتل لكن علة كون القتل علة للقصاص الحاجة إلى الزجر والحاجة إلى الزجر هي العلة دون نفس الزجر والحاجة سابقة وحصول الزجر هو المتأخر إذ يقال خرج الأمير عن البلد للقاء زيد ولقاء زيد يقع بعد خروجه ولكن تكون الحاجة إلى اللقاء علة باعثة على الخروج سابقة عليه وإنما المتأخر نفس اللقاء فكذلك الحاجة إلى عصمة الدماء هي الباعثة للشرع على جعل القتل سببا للقصاص والشريك في هذا المعنى يساوي

الصفحة 350