إن من أعطى إنسانا فوجدناه فقيرا ظننا أنه أعطاه لفقره وعللناه به وإن وجدناه قريبا عللنا بالقرابة فإن ظهر لنا الفقر بعد القرابة أمكن أن يكون الإعطاء للفقر لا للقرابة أو يكون لاجتماع الأمرين فيزول ذلك الظن لأن تمام ذلك الظن بالسبر وهو أنه لا بد من باعث على العطاء ولا باعث إلا الفقر فإذا هو الباعث أو لا باعث إلا القرابة فإذا هو الباعث فإذا ظهرت علة أخرى بطلت إحدى مقدمتي السبر وهو أنه لا باعث إلا كذا
وكذلك عتقت بريرة تحت عبد فخيرها النبي عليه السلام فيقول أبو حنيفة خيرها لملكها نفسها ولزوال قهر الرق عنها فإنها كانت مقهورة في النكاح وهذا مناسب فيبني عليه تخييرها وإن عتقت تحت حر
فقلنا: العلة خيرها لتضررها بالمقام تحت عبد ولا يجري ذلك في الحر فكيف يلحق به وإمكان هذا يقدح في الظن الأول فإنه لا دليل له عليه إلا المناسبة ودفع الضرر أيضا مناسب وليست الحوالة على ذلك أولى من هذا إلا أن يظهر ترجيح لأحد المعنيين
وأما مثال العلامة الشبهية فعلة الربا فإنه لم يذهب أحد إلى الجمع بين القوت والطعم والكيل على أن كل واحد علة لأنه لم يقم دليل من جهة النص والاجماع بل طريقة إظهار الضرورة في طلب علامة ضابطة مميزة مجرى الحكم عن موقعه إذ جرى الربا في الخبز والعجين مع زوال اسم البر فلا يتم النظر إلا بقولنا ولا بد من علامة ولا علامة أولى من الطعم فإذا هو العلامة فإذا ظهرت علامة أخرى مساوية بطلت المقدمة الثانية من النظر فانقطع الظن
والحاصل أن كل تعليل يفتقر إلى السبر فمن ضرورته اتحاد العلة وإلا انقطع شهادة الحكم للعلة وما لا يفتقر إلى السبر كالمؤثر فوجود علة أخرى لا يضر