فإذا أصل الخطأ في هذه المسألة إقامة الفقهاء للأدلة الظنية وزنا حتى ظنوا أنها أدلة في أنفسها لا بالإضافة وهو خطأ محض يدل على بطلانه البراهين القاطعة
فإن قيل: لم تنكرون على من يقول فيه أدلة قطعية وإنما لم يؤثم المخطىء لغموض الدليل؟
قلنا: الشيء ينقسم إلى معجوز عنه ممتنع وإلى مقدور عليه على يسر وإلى مقدور عليه على عسر فإن كان درك الحق المتعين معجوزا عنه ممتنعا فالتكليف به محال وإن كان مقدورا على يسر فالتارك له ينبغي أن يأثم قطعا لأنه ترك ما قدر عليه وقد أمر به وإن كان مقدورا على عسر فلا يخلوا إما أن يكون العسر صار سببا للرخصة وحط التكليف كإتمام الصلاة في السفر أو بقي التكليف مع العسر .
فإن بقي التكليف مع العسر .فتركه مع القدرة إثم كالصبر على قتل الكفار مع تضاعف عددهم فإنه شديد جدا وعسير ولكن يعصى إذا تركه لأن التكليف لم يزل بهذا العسر وكذلك صبر المرأة على الضرات وحسن التبعل مع أن ذلك جهاد شديد على النفس ولكنها تأثم بتركه مع ضعفها وعجزها وكذلك التمييز بين الدليل والشبهة في مسألة حدوث العالم ودلالة المعجزة وتمييزها عن السحر في غاية الغموض ومن أخطأ فيه أثم بل كفر واستحق التخليد في النار
وكذلك الحق في المسائل الفقهية مع العسران أمر به فالمخطىء آثم فيه وإن لم يؤمر بإصابة الحق بل بحسب غلبة الظن فقد أدى ما كلف وأصاب ما هو حكم في حقه وأخطأ ما ليس حكما في حقه بل هو بصدد أن يكون حكما في حقه لو خوطب به أو نصب على معرفته دليل قاطع
فإذا:الحاصل أن الإصابة محال أو ممكن ولا تكليف بالمحال ومن أمر بممكن فتركه عصى وأثم ومحال أن يقال هو مأمور به لكن إن خالف لم يعص ولم يأثم وكان معذورا لأن هذا يناقض حد الأمر والإيجاب إذ حد الإيجاب ما يتعرض تاركه للعقاب والذم
وهذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف مع كل منصف ويرد النزاع إلى عبارة وهو