فيقول الشارع: الحكم ها هنا تابع لهم ، والفهم في الستة تابع للحكم ، لأن دلالته على الحكم قاطعة . ونقول : كما أن الحكم مادام عند جبريل عليه السلام لم يصير حكماً في الارض حتى ينزل إلى الأرض ، فإذا نزل إلى الأرض . وكان في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ،لم يصر حكماً مالم يتلفظ به ، فإذا نزل تلفظ به لم يصير حكماً بالفعل، وقبل ذلك كان حكما بالقوة . فيقول الشارع : لاحكم لله تعالى في مسألة الدباغ قبل الوقوع في الفهم: فمن طبعه كطبع الشافعي ، يفهم أن الدباغ لا يزيد على الحياة ، فيكون ذلك هو الحكم في حقه ومن طبعه ابي حنيفة: يفهم العموم ، فهو الحكم في حقه.
فلو صرح الشارع به كان معقولا، ولم يتميز أحدهما عن الاخر في صواب ولا خطاء ، إذ ليس فيه حكم موضوع قبل نظرهما .
وكذلك يقول في قول ه عليه السلام أمسك أربعا : إني أردت الإمساك أو الابتداء لامحالة . ولكن مالكم ولإرادتي ولا سبيل لكم إلى معرفتها ، إنما تعبدتم بما يصل إلى فهمكم .
وهذا اللفظ أفهم الحاضرين مع قرينة شاهدوها ، أما أنتم معاشر التابعين ومن بعدهم فقد اندرست في حقكم القرينة ، وبقي مجرد اللفظ ، وليس مفهماً أحد المعنيين تفهيما قاطعا ، بل من طبعه طبع الشافعي في استحقار القياس يفهم منه ما يوافق الوضع ، وهو الإمساك ، ومن طبعه طبع أبي حنيفة في التفاته إلى قياس الرضاع الطارئ على النكاح ، يفهم من هذا في فهمه من هذا اللفظ ابتداء النكاح . وحكم الله تعالى على كل واحد ما القاه في فهمه من هذا اللفظ ، لا ما في ضمير الشارع ،وسبيل لهم إلى معرفة حقيقته .
وكذلك في مسألة الأصلح: يجوز أن يكون كل واحد منهما مثل الآخر في الصلاح ولا يتميز أحدهما عن الآخر في خطاء وإصابة .