كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 2)

بعضها إلى اليقين وفي بعضها إلى الظن فكيف يبني الأمر على عماية كالعميان وهو بصير بنفسه
فإن قيل:وهو ليس يقدر إلا على تحصيل ظن وظن غيره كظنه ولا سيما عندكم وقد صوبتم كل مجتهد ؟
قلنا: مع هذا إذا حصل ظنه لم يجز له اتباع ظن غيره فكان ظنه أصلا وظن غيره بدلا يدل عليه أنه لم يجز العدول إليه مع وجود المبدل فلا يجوز مع القدرة على المبدل كما في سائر الإبدال والمبدلات إلا أن يرد نص بالتخيير فترتفع البدلية أو يرد نص بأنه بدل عند الوجود لا عند العدم كبنت مخاض وابن لبون في خمس وعشرين من الإبل فإن وجوب بنت مخاض يمنع من قبول ابن لبون والقدرة على شرائه لا تمنع منه
فإن قيل: حصرتم طريق معرفة الحق في الإلحاق ثم قطعتم طريق الإلحاق
ولا نسلم أن مأخذه الإلحاق بل عمومات تشمل العامي والعالم كقوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الانبياء: من الآية7]وما أراد من لا تعلم شيئا أصلا فإن ذاك مجنون أو صبي بل من لا يعلم تلك المسألة وكذلك قوله تعالى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ } [النساء: من الآية59] وهم العلماء قلنا أما قوله تعالى { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } فإنه لا حجة فيه من وجهين:
أحدهما: أن المراد به أمر العوام بسؤال العلماء إذ ينبغي أن يتميز السائل عن المسؤول فمن هو من أهل العلم مسؤول وليس بسائل ولا يخرج عن كونه من أهل العلم بأن لا تكون المسألة حاضرة في ذهنه إذ هو متمكن من معرفتها من غير أن يتعلم من غيره .
الثاني: أن معناه سلوا لتعلموا أي سلوا عن الدليل لتحصيل العلم كما يقال كل لتشبع واشرب لتروي وأما أولو الأمر فإنما أراد بهم الولاة إذ أوجب طاعتهم كطاعة الله ورسوله ولا يجب على المجتهد اتباع المجتهد فإن كان المراد

الصفحة 459