كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 2)

بأولي الأمر الولاة فالطاعة على الرعية وإن كان هم العلماء فالطاعة على العوام ولا نفهم غير ذلك ثم نقول يعارض هذه العمومات عمومات أقوى منها يمكن التمسك بها ابتداء في المسألة كقوله تعالى { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: من الآية2]وقوله تعالى {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [النساء: من الآية83]وقوله {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24] وقوله {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } [الشورى: من الآية10] وقوله { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ]النساء: من الآية59[ فهذا كله أمر بالتدبر والاستنباط والاعتبار وليس خطابا مع العوام فلم يبق مخاطب إلا العلماء والمقلد تارك للتدبر والاعتبار والاستنباط
وكذلك قوله تعالى {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } [لأعراف: من الآية3] وهذا بظاهره يوجب الرجوع إلى الكتاب فقط لكن دل الكتاب على اتباع السنة والسنة على الإجماع والإجماع على القياس وصار جميع ذلك منزلا فهو المتبع دون أقوال العباد
فهذه ظواهر قوية والمسألة ظنية يقوي فيها التمسك بأمثالها ويعتضد ذلك بفعل الصحابة فإنهم تشاوروا في ميراث الجد والعول والمفوضة ومسائل كثيرة وحكم كل واحد منهم بظن نفسه ولم يقلد غيره
فإن قيل: لم ينقل عن طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وهم أهل الشورى نظر في الأحكام مع ظهور الخلاف والأظهر أنهم أخذوا بقول غيرهم
قلنا: كانوا لا يفتون اكتفاء بمن عداهم في الفتوى أما عملهم في حق أنفسهم لم يكن إلا بما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب وعرفوه فإن وقعت واقعة لم يعرفوا دليلها شاوروا غيرهم لتعرف الدليل لا للتقليد

الصفحة 460