كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 2)

المسلك الثاني : إن الإجماع منعقد على أن العامي مكلف بالأحكام وتكليفه طلب رتبة الاجتهاد محال لأنه يؤدي إلى أن ينقطع الحرث والنسل وتتعطل الحرف والصنائع ويؤدي إلى خراب الدنيا لو اشتغل الناس بحملتهم بطلب العلم وذلك يرد العلماء إلى طلب المعايش ويؤدي إلى اندراس العلم بل إلى إهلاك العلماء وخراب العالم
وإذا استحال هذا لم يبق إلا سؤال العلماء
فإن قيل:فقد أبطلتم التقليد وهذا عين التقليد
قلنا: التقليد قبول قول بلا حجة وهؤلاء وجب عليهم ما أفتى به المفتي بدليل الإجماع كما وجب على الحاكم قبول قول الشهود ووجب علينا قبول خبر الواحد وذلك عند ظن الصدق والظن معلوم ووجوب الحكم عند الظن معلوم بدليل سمعي قاطع فهذا الحكم قاطع والتقليد جهل
فإن قيل: فقد رفعتم التقليد من الدين وقد قال الشافعي رحمه الله ولا يحل تقليد أحد سوى النبي عليه السلام فقد أثبت تقليدا
قلنا: قد صرح بإبطال التقليد رأسا إلا ما استثنى فظهر أنه لم يجعل الاستفتاء وقبول خبر الواحد وشهادة العدول تقليد نعم يجوز تسمية قبول قول الرسول تقليدا توسعا واستثناؤه من غير جنسه ووجه التجوز أن قبول قوله وإن كان لحجة دلت على صدقه جملة فلا تطلب منه حجة على غير تلك المسألة فكأنه تصديق بغير حجة خاصة ويجوز أن يسمى ذلك تقليدا مجازا
مسألة: فتوى العامي للعلماء العدول:
لا يستفتي العامي إلا من عرفه بالعلم والعدالة أما من عرفه بالجهل فلا يسأله وفاقا
وأن سأل من لا يعرف جهله فقد قال قوم: يجوز وليس عليه البحث
وهذا فساد لأن كل من وجب عليه قبول قول غيره فيلزمه معرفة حاله فيجب على الأمة معرفة حال الرسول بالنظر في معجزته فلا يؤمن بكل مجهول يدعي أنه رسول الله ووجب على الحاكم معرفة حال الشاهد في العدالة وعلى المفتي

الصفحة 467