كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 2)

وقال قوم: تجب مراجعة الأفضل فإن استووا تخير بينهم وهذا يخالف إجماع الصحابة إذ لم يحجر الفاضل على المفضول الفتوى بل لا تجب إلا مراجعة من عرفه بالعلم والعدالة وقد عرف كلهم بذلك
مايصنع المستفتي إن اختلف عليه المفتون:
نعم إذا اختلف عليه مفتيان في حكم فإن تساويا راجعهما مرة أخرى وقال تناقض فتواكما وتساويتما عندي فما الذي يلزمني فإن خيراه تخير وإن اتفقا على الأمر بالاحتياط أو الميل إلى جانب معين فعل وإن أصرا على الخلاف لم يبق إلا التخيير فإنه لا سبيل إلى تعطيل الحكم وليس أحدهما بأولى من الآخر والأئمة كالنجوم فبأيهم اقتدى اهتدى
أما إذا كان أحدهما أفضل وأعلم في اعقتاده: اختار القاضي أنه يتخير أيضا لأن المفضول أيضا من أهل الاجتهاد لو انفرد فكذلك إذا كان معه غيره فزيادة الفضل لا تؤثر
والأولى عندي أنه يلزمه اتباع الأفضل فمن اعتقد أن الشافعي رحمه الله أعلم والصواب على مذهبه أغلب فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي
اتباع المقلدين أيسر الأقوال في المذاهب:
وليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده فيتوسع بل هذا الترجيح عنده كترجيح الدليلين المتعارضين عند المفتي فإنه يتبع ظنه في الترجيح فكذلك ههنا وإن صوبنا كل مجتهد ولكن الخطأ ممكن بالغفلة عن دليل قاطع وبالحكم قبل تمام الاجتهاد واستفراغ الوسع والغلط على الأعلم أبعد لا محالة
وهذا التحقيق وهو أنا نعتقد أن لله تعالى سرا في رد العباد إلى ظنونهم حتى لا يكونوا مهملين متبعين للهوى مسترسلين استرسال البهائم من غير أن يزمهم لجام التكليف فيردهم من جانب إلى جانب فيتذكرون العبودية ونفاذ حكم الله تعالى فيهم في كل حركة وسكون يمنعهم من جانب إلى جانب فما دمنا نقدر على ضبطهم بضابط فذلك أولى من تخييرهم وإهمالهم كالبهائهم والصبيان

الصفحة 469