كتاب التنوير شرح الجامع الصغير (اسم الجزء: 2)

لازمه ذكر الألم أو لأجل تأسيه بمصاب آخر فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "بل أنا وا رأساه" لما شكت إليه عائشة وجع رأسها فأما ما كان على جهة الشكاية إلى المخلوقين فإنه يفوت هذا الوصف بلا شك ولذا قال يعقوب - صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] وقد كان دأب الصالحين أن لا يذكروا بلواهم وثبت أن عمران بن الحصين كانت تسلم عليه الملائكة عياناً لجراحة كانت به لم يشكها إلى أحد فلما شكاها انقطع تسليمهم عليه فخبره - صلى الله عليه وسلم - أنه انقطع لشكاية ألمه (¬1) وفي النبلاء للذهبي (¬2) عن إبراهيم الحربي أنه قال لي: عشرون سنة أبصر بفرد عين ما أخبرت به أحداً (وصلة الرحم) تقدم الكلام عليها مراراً (وقول لا حول ولا قوة إلا بالله) تقدم ذكرها مراراً ولم نتكلم على معناها فنقول قال في النهاية (¬3): الحول ها هنا الحركة يقال حال الشخص يحول إذا تحرك والمعنى لا حركة ولا قوة إلا بمشيئة الله وقيل: الحول الحيلة والأول أشبه، ومنه الحديث (¬4): "اللهم بك أصول وبك أجول" أي أتحول، وقيل احتال، وقيل: أدفع وأمنع من حال بين الشيئين إذا منع.
قلت: وتقدير المشيئة هنا يناسب مذهب الأشاعرة من أن الله تعالى يشاكل كائنه ويزيدها وهي مسألة كلامية معروفة لا تليق بمن يشتغل بكلام الله وكلام رسوله الاشتغال بها والذي تفهمه هذه الكلمة الشريفة أنه لا حركة ولا قدرة على شيء إلا بإقدار الله تعالى وهذا قدر متفق عليه بين أهل المذاهب أن الله
¬__________
(¬1) أخرجه أبو داود (3865) بلفظ: عن عمران بن حصين قال: "نهى رسول الله عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا ولا نجحنا قال أبو داود: وكان يسمع تسليم الملائكة فلما اكتوى انقطع عنه فلما ترك رجع إليه" قال الحافظ ابن حجر في الفتح (10/ 155) وسنده قوي.
(¬2) "سير أعلام النبلاء" (13/ 367).
(¬3) النهاية (1/ 462).
(¬4) أخرجه أحمد (1/ 150) وقال الهيثمي في المجمع (10/ 130) رجاله ثقات.

الصفحة 277