كتاب التنوير شرح الجامع الصغير (اسم الجزء: 2)

والتذلل ولذلك لا يطلق إلا في الخضوع لله لأنه مولى أعظم النعم فكان الحقيق بأقصى غاية الخضوع، فإن قيل: وأي تذلل وخضوع في التلاوة؟.
قلت: التعب بتلاوته والتحزن عند قراءته كما يدل له: "اقرءوا القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن" (¬1) سيأتي والبكاء عند تلاوته كما يدل له حديث: "إذا قرأتم القرآن فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" (¬2) وإتعاب الفكر عند تدبر معانيه والغوص في بحور معانيه وإمعان النظر فيما قصه الله من آياته فإن هذا هو المراد من التلاوة والتذلل والخضوع له، لا هز ألفاظه وسردها من غير تدبر ولا تأمل فإن ذلك كما قال ابن عباس: الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابي يهز الشعر هذاً وكما يدل له حديث: "لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث" (¬3).
فإن قلت: فهل لهذه الكثرة مقدار أم لا؟ بل تتلو الليالي كم تشاء ولو في كل يوم ختمة.
قلت: سيأتي تقدير نبوي في ذلك في شهر أو في أربعين أو في خمس أو في ثلاث وحديث ابن عمرو وعند الخمسة إلا الترمذي أنه قال له - صلى الله عليه وسلم -: "اقرأ القرآن في كل شهر" فقال: إني أطيق أفضل من ذلك قال: "فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك" (¬4) فهذا التقدير في حديثه، وفيه النهي عن قرأته في أقل من سبع، وزاد في
¬__________
(¬1) أخرجه الطبراني في الأوسط (2902) وقال الهيثمي في المجمع (7/ 170) فيه إسماعيل بن سيف وهو ضعيف. وقال ابن عدي في الكامل (1/ 324) كان يسرق الحديث. وقال الألباني في ضعيف الجامع (2989)، والسلسلة الضعيفة (2523): ضعيف جداً ..
(¬2) أخرجه ابن ماجه (1337)، وقال في الفتح السماوي (2/ 812) بعد عزوه إلى إسحاق بن راهويه والبزار فيه عبد الرحمن بن أبي مليكة وهو لين الحديث.
(¬3) أخرجه أبو داود (1394)، والترمذي (2946)، والنسائي في الكبرى (5/ 25)، وابن ماجه (1347).
(¬4) أخرجه البخاري (4765)، ومسلم (1159)، وأبو داود (1388)، والنسائي في الكبرى (5/ 24).

الصفحة 448