فقد أراد بالأمر بالعبادة هنا العبادة الكاملة المجردة عن اتخاذ الشريك ثم عطف عليها الأمر بالإخلاص بخلاف الحديث الأول، فإنه أراد بها التذلل والخضوع لله ثم أبان أن المراد من ذلك لا يتم إلا بنفي الشريك فلا يكون كمن يعبد الله متقرباً إليه بالشركاء قائلاً: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} [الزمر: 39] ولذلك عطف على العبادة هناك ما هو تفصيل لها من إقامة الصلاة وغيرها (وعد نفسك في الموتى) فإنك عما قريب صائر إلى ذلك (واذكر الله عند كل حجر وكل شجر) هو مثل قوله: على كل حال، ويحتمل أن يراد الحقيقة لما ورد من شهادة البقاع لمن ذكر الله تعالى فيها فيكون أمراً بتكثير شهادة البقاع له بذلك (وإذ عملت سيئة فأعمل بجنبها حسنة) أردفها بها فإن الحسنات يذهبن السيئات (السر بالسر والعلانية بالعلانية) دليل على أن من أتى معصية ظاهرة وجب عليه إظهار التوبة ليزيل عن نفسه التهمة (طب هب (¬1) عن معاذ بن جبل) رمز المصنف لحسنه.
1127 - "اعبد الله كأنك تراه، وعد نفسك في الموتى، وإياك ودعوات المظلوم فإنهن مجابات، وعليك بصلاة الغداة، وصلاة العشاء، فاشهدهما، فلو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا (طب) عن أبي الدرداء (ح) ".
(اعبد الله كأنك تراه) فإنه يراك هذا هو الذي فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به الإحسان في سؤال جبريل له عنه حيث قال: "أخبرني عن الإحسان .. " أخرجه الخمسة إلا البخاري (¬2)، وهو حث على غاية الخضوع والتذلل والإخلاص فإن العبد يخضع لمولاه عند أن يشاهده ويراه ما لا يخضع لغيره ويراقبه أتم مراقبة وليس
¬__________
(¬1) أخرجه الطبراني في الكبير (20/ 175) رقم (374) والبيهقي في الشعب (548) عن معاذ بن جبل. وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (4/ 48) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1040) والسلسلة الصحيحة (1475).
(¬2) أخرجه مسلم (8) وأبو داود (4695) والترمذي (2610) والنسائي (8/ 97) وابن ماجه (63).