إن قيل: قد أمره تعالى. أن يقول: "هذا ذكر من معي وذكر من قبلي" فوصف القرآن كله بأنه ذكر من قبله فكيف خص البقرة بذلك؟
قيل: المراد هنا ذكر خاص هو توحيده تعالى وتنزيهه عن الأنداد لأنها في سياق {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي} [الأنبياء: 24] الآية.
(وأعطيت طه والطواسين) جمع لي طس على اللغة القليلة وفيه تغليب لأنه يريد طس وطسم إذا المراد كل السور الثلاث وكذا قوله (والحواميم) قال في القاموس (¬1): آل حاميم ذوات حاميم ولا يقال حواميم [1/ 335] وقد جاء في الشعر وقال: طس لا تجمع إلا على ذات طس ولا يقال طواسين انتهي كلامه.
قلت: وقال الجوهري: وأما قول العامة: الحواميم ليس من كلام العرب منقوص يثنون بهذا الوارد عن أفصح الخلق (من ألواح موسى) يعني معانيها لا ألفاظها فتلك بلسان غير عربي إلا أنه قال المصنف في الإتقان (¬2): ما أنزل كتاب من كتب الله إلا باللسان العربي ثم يلقنه الرسول بلسانه على لغة قومه فإن صح هذا لم يبعد أن يراد ألفاظها ومعانيها من ألواح موسى، ويحتمل أن كلمة من بدلية في هذا والذي قبله وأن المراد أعطيت البقرة بدلاً من الذكر الأول وبدلاً من ألواح موسى نظير ما يأتي من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعطيت مكان التوراة السبع الطوال" (¬3) والأول أنسب بالقرينة التالية فإن من فيها لا يصح أن تكون بدلية (وأعطيت فاتحة الكتاب) هي سورة الحمد لله رب العالمين، سميت بفاتحة الكتاب لأنه افتتح بها في المصحف وفي التعليم وفي التلاوة وفي الصلاة، وقيل:
¬__________
(¬1) القاموس المحيط (ص: 1463).
(¬2) الإتقان (1/ 394).
(¬3) أخرجه أحمد (4/ 107)، والطيالسي (1012)، والطبراني في الكبير (22/ 76 رقم 187)، والبيهقي في الشعب (2415)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1059).