كتاب تحرير الفتاوى (اسم الجزء: 2)

قال شيخنا ابن النقيب: وهي أوفق لعبارة أصحاب "التهذيب" و"التتمة" و"النهاية" و "البسيط" و "الوسيط" و "البيان" و "الكفاية" وغيرهم؛ فإنهم عبروا بعدم الإمكان، والتعليل يقتضيه (¬1).
ثالثها: المتبادر إلى الفهم عود الضمير في قول "الحاوي" [ص 373]: (وعسر إفراده) للبياض المتخلل؛ فإنَّه أقرب مذكور، وهو موافق لتعبير الغزالي، وصاحب "المهذب" (¬2)، واقتصر الأكثرون على ذكر عسر إفراد النخل بالسقي والعمل، وجمع في "المنهاج" وأصله، و "الروضة" وأصلها بينهما (¬3)، وليس كذلك في كلام غيرهما، ويختص "المنهاج" بأمرين:
أحدهما: أنَّه خص ذلك بالبياض الذي بين النخل، كما فعل "التَّنبيه" مع أن البياض الذي بين العنب كذلك؛ ولهذا قال في "التصحيح": الصواب: صحتها على البياض الذي بين العنب (¬4)، وصرح به قبله صاحبا "الوجيز" و "البيان" (¬5)، وهو مفهوم من قول "الحاوي" بعد ذكرهما [ص 373]: (ومزارعة ما تخلل)، واقتصر الرافعي في جميع كتبه على النخل (¬6)، وكأنه تمثيل؛ ولذلك قال ابن الرفعة في تعبير "التَّنبيه" بالنخل: أي: وما في معناه، قال بعضهم: ويظهر أن غير النخل والعنب إذا جوزنا المساقاة عليه كذلك.
ثانيهما: تعبيره في منع تقديم المزارعة بالأصح مخالف لتعبير "الروضة" فيه بالصحيح (¬7)، وجَعَل مقابله: أنَّها تنعقد موقوفة، فإن ساقى بعدها .. تبيّن صحتها، وإلا .. فلا، وبذلك يعلم أن الصورة فيما إذا أفرد كلاً بعقد، ومن هنا ضعف مقابل الصَّحيح؛ لاجتماع التقديم والتعدد، أما لو جمع بينهما في عقد .. فليس فيه وجه بالوقف، بل إن قال: (زارعتك، وساقيتك) .. فجزم البغوي والمتولي ببطلان المزارعة (¬8)، ولم يحك الإمام إلَّا القطع بالصحة عن القاضي، قال: وهو صحيح، وإن قال: (زارعتك بالنصف، وساقيتك بالنصف) .. ففي "النهاية" طريقان: القطع بالصحة، وإجراء خلاف (¬9)، فلا يصح حمل كلام "المنهاج" على واحدة منهما؛ لما ذكرناه، والله أعلم.
¬__________
(¬1) السَّرَّاج على نكت المنهاج (4/ 205)، وانظر "نهاية المطلب" (8/ 19)، و "الوسيط" (4/ 137)، و "التهذيب" (4/ 405)، و "البيان" (7/ 281، 282).
(¬2) الوسيط (4/ 137)، المهذب (2/ 393، 394).
(¬3) المحرر (ص 226)، فتح العزيز (6/ 57)، المنهاج (ص 304)، الروضة (5/ 170، 171).
(¬4) تصحيح التَّنبيه (1/ 376).
(¬5) الوجيز (1/ 401)، البيان (7/ 280، 281).
(¬6) انظر "فتح العزيز" (6/ 52).
(¬7) الروضة (5/ 170).
(¬8) انظر "التهذيب" (4/ 406).
(¬9) نهاية المطلب (8/ 18).

الصفحة 250