كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 2)

قراءة (1) المظالم، فانفردت بالكتابة للوزير المذكور، وفوض إليّ جميع أموره، وأولاني من التأنيس ما أنساني تلك الوحشة، ومن العز ما أنقذني من تلك الذلة:
فردّ عليّ العيش بعد ذهابه ... وآنسني بعد انفرادي من الأهل
وقال إذا ما الوبل فاتك فاقتنع ... بما قد تسنّى عندك الآن من طلّ
ووالله ما نعماه طلٌّ وإنّما ... تأدّبه غيثٌ يجود على الكلّ
رآني أظما في الهجيرة ضاحياً ... فرقّ وآواني إلى الماء والظلّ ولم أزل عنده في أسر حال ما لها تكدير إلاّ ما يبلغني من أن ابن عمّي لا يزال يسعى في حقي بما أخشى مغبّته، وخفت أن يطول ذلك، فيسمع منه، ولا ينفع دفاع الوزير المذكور عني، فرغبت له في أن يرفع للملك أنّي راغبٌ في السّراح إلى المشرق برسم الحج:
ومن بلّه الغيث في بطن وادٍ ... وبات فلا يأمننّ السّيولا فلم يسعفني في ذلك، ولامني على تخوّفي، وقلة ثقتي بحمايته، فرفعت له هذه القصيدة:
هل الهجر إلا أن يطول التجنّب ... ويبعد من قد كان منه التقرّب
وتقطع رسلٌ بيننا ورسائلٌ ... ويمنع لقيانا نوىً وتحجّب
ولو أنّني أدري لنفسي زلّةً ... جعلت لكم عذراً ولم أك أعتب
ولكنّكم لمّا مللتم (2) هجرتم ... وذنّبتم في الحبّ من ليس يذنب
إلى الله أشكو غدركم وملالكم ... وقلباً له ذاك التعذب يعذب
فلو أنّه يجزيكم بفعالكم ... لكان له عنكم مرادٌ ومذهب (3)
__________
(1) دوزي: وعن كتابة.
(2) كذا في ق وج؛ وفي نسخة: ملكتم.
(3) دوزي: ومطلب.

الصفحة 278