كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 2)

الخليفة مولانا، فلمّا قيل له عنها هذا القول قال: ما لي حاجة بعد الدعاء لله بحفظ مكانها وطول حياتها في عزّ غير ردّ السّقيّة التي قلعت من داري التي بنيتها في أيامهم من نعمتهم (1) تردّ إلى مكانها، فتعجبت من ذلك، وردتها عليه، فقيل له: قد حصلت في حد أن خيّرتك البدوية في جميع المطالب (2) ، فنزلت همتك إلى قطعة حجر، فقال: أنا أعرف بنفسي، ما كان لها أمل سوى أن لا تغلب في أخذ ذلك الحجر من مكانه، وقد بلغها الله تعالى أملها.
وكان هذا المكين متولي قضاء الإسكندرية ونظرها في أيام الآمر، وبلغ من علو همته وعظيم مروءته أن سلطان الملوك حيدرة أخا الوزير المأمون ابن البطائحي لما قلده الآمر ولاية ثغر الإسكندرية سنة سبع عشرة وخمسمائة، وأضاف إليها الأعمال البحرية، ووصل إلى الثغر - وصف له الطبيب دهن الشمع بحضرة القاضي المذكور، فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضيّ إلى داره لإحضار دهن الشمع، فما كان أكثر من مسافة الطريق إلاّ وقد أحضر حقّاً مختوماً، فكّ عنه فوجد فيه منديل لطيف مذهب على مراق (3) بلور فيه ثلاثة بيت كل بيت عليه قبة ذهب مشبكة مرصعة بياقوت وجوهر: بيت دهن ممسك، وبيت دهن بكافور، وبيت دهن بعنبر طيب، ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته، فعندما أحضره الرسول تعجب المؤتمن والحاضرون من علو همته، فعندما شاهد القاضي ذلك بالغ في شكر إنعامه، وحلف بالحرام إن عاد إلى ملكه، وكان جواب المؤتمن: وقد قبلته منك لا لحاجة إليه، ولا نظر في قيمته، بل لإظهار هذه الهمة وإذاعتها، وذكر أن قيمة هذا المداف وما عليه خمسمائة دينار.
فانظر، رحمك الله تعالى، إلى من يكون دهن الشمع عنده في إناء قيمته خمسمائة دينار، ودهن الشمع لا يكاد أكثر الناس يحتاج إليه، فماذا تكون ثيابه
__________
(1) المقتطفات: من بستاني الذي أنشأته من نعمتهم.
(2) المقتطفات: في ما تطلب.
(3) ق: مداق.

الصفحة 293