كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 2)

[4 - العادل بن أيوب]
ولما أجرى ابن سعيد في بعض مصنفاته ذكر الملك العادل بن أيوب (1) قال ما نصّه: وكان من أعظم السلاطين دهاء وحزماً، وكان يضرب به المثل في إفساد القلوب على أعدائه وإصلاحها له، ويحكى أنه بشّره شخص بأن أميراً من أمراء الأفضل ابن صلاح الدين فسد عليه، فأعطاه مالاً جزيلاً، وأرسل مستخفياً إلى المذكور يزيده بصيرة في الانحراف عن الأفضل، ويعده بما يفسد الصالح فكيف الفاسد، قال: وكان يمنع حتى يوصف بالبخل، ويجود في مواضع الجود حتى يوصف بالسّماح، وكان صلاح الدين - وهو السلطان - يأخذ برأيه، وقدّم له أحد المصنفين كتاباً مصوراً في مكايد الحروب ومنازلة المدن، وهو حينئذ على عكّا محاصراً للفرنج، فقال له: ما نحتاج إلى هذا الكتاب ومعنا أخونا أبو بكر، وكان كثير المداراة والحزم، ومن حكاياته في ذلك أن أحد الأشياخ من خواصّه قال له يوماً، وهو على سماطه يأكل: يا خوند، ما وفيت معي ولا رعيت سابق خدمتي، وكلمه بدالّة السن وقدم الصحبة قبل الملك، فقال لمماليكه، انظروا سوطه، فجسّوا الكمران؛ وقال: خذوا الصرة التي فيه، فوجدوا صرّة، فقال: افتحوها، ففتحوها فإذا فيها ذرور، فقال العادل: كل من هذا الذرور، فتوقف، وعلم أنه مطّلع على أنه سم، فقال: كيف نسبتني إلى قلة الوفاء، وأنا منذ سنين أعلم أنك تريد أن تسمني بهذا السم، وقد جعل لك الملك الفلاني على ذلك عشرة آلاف دينار، فلا أنا أمكنتك من نفسي، ولا أشعرتك، لئلا يكون في ذلك ما لا خفاء به، وتركتك على
__________
(1) هو الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد بن أيوب بن شاذي، ولد سنة 539 واشترك في معظم الأعمال الحربية التي قام بها أخوه صلاح الدين، فأعطاه مصر ثم حلب ثم الشرق والكرك والشوبك، ثم جرت بينه وبين أولاد أخيه خطوب، فملك دمشق سنة 592، وملك مصر سنة 596 وامتد ملكه على مناطق واسعة وتوفي سنة 615؛ وأخباره مشروحة في تاريخ ابن الأثير ومفرج الكروب ومرآة الزمان وغيرها.

الصفحة 296