كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 2)

مثلك يفيد تجربة قد نفق عليها عمر، وضل عن فوائدها غرّ غمر، وقد أنفذت رهناً لا يسمح بإخراجه من اليد إلا ليدك، فتفضل بتوجيه الجزء الأول، فأنا أعلم أنّه عندك مثل ولدك، قل: فوجهه ومعه بطاقة صغيرة فيها: يا أخي، إن عرّضت بولدي فكذلك كن مع والدي وقد توارثنا العقوق كابراً عن كابر، فكن شاكراً فإنّي صابر.
ثم قال ابن سعيد: وتفاقم أمر ولده فقيّده بقيد حديد وقال فيه:
لي ولدٌ يا ليته ... لم يك عندي يخلق
يجهد في كل الذي ... يرغم وهو يعشق
وإن أكن قيّدته ... دمعي عليه مطلق وذكر ابن سعيد أن الكاتب أبا الحسن المذكور كان كثيراً ما يستعير الكتب، فإذا طلبت منه فكأنّها ما كانت، فذكر لبعض أصحابه - وهو ابن الربيب المؤرخ - أن عنده نسخة جليلة من تاريخ عريب (1) الذي لخص فيه تاريخ الطبري واستدرك عليه ما هو من شرطه وذيل ما حدث بعده، فأرسل إليه في استعارتها، فكتب إليه: يا أخي، سدّد الله آراءك، وجعل عقلك أمامك لا وراءك، ما يلزمني من كونك مضيّعاً أن أكون كذلك، والنسخة التي رمت إعارتها هي مؤنسي إذا أوحشني الناس، وكاتم سرّي إذا خانوني، فما أعيرها إلا بشيء أعلم أنك تتأذّى بفقده إذا فقد جزء من النسخة، وأنا الذي أقول:
__________
(1) هو عريب بن سعد القرطبي من بيت من الموالي يعرفون ببني التركي، كان أديباً شاعراً تاريخياً، أضاف إلى تاريخ الطبري بعد أن اختصره " أخبار إفريقية والأندلس " وقد نشر له ملحق بتاريخ الطبري عرف باسم " صلة عريب " ولكنه لا يمثل الإضافة التي قام بضمها إلى تاريخ أبي جعفر، وله من الكتب كتاب الأنواء، نثره دوزي باسم " التقويم القرطبي " وأورد له الثعالبي شعراً في اليتيمة 2: 52 وهو أحد الذين ذكرهم ابن فرج في كتاب الحدائق (انظر الذيل والتكملة 5: 141 - 143) .

الصفحة 302