كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 2)
أنظر، ما أقلّ هذا الغلام بأدب، يركب ويمشي أبوه، وانظر ما أشد تخلّف والده لكونه يتركه لهذا، فقال له: انزل أركب أنا وامش أنت خلفي، فقال شخص آخر: انظر هذا الشخص، ما أقلّه بشفقة، ركب وترك ابنه يمشي، فقال له: اركب معي، فقال شخص: أشقاهما الله تعالى، انظر كيف ركبا على الحمار، وكان في واحد منهما كفاية، فقال له: انزل بنا، وقدّماه وليس عليه راكب، فقال شخص: لا خفّف الله تعالى عنهما، انظر كيف تركا الحمار فارغاً وجعلا يمشيان خلفه، فقال: يا بني، سمعت كلامهم، وعلمت أن أحداً لا يسلم من اعتراض الناس على أي حالة كان، انتهى.
[مقتبسات من خطبة المغرب]
وقال في أثناء خطبة المغرب ما نصه: والحمد لله الذي جعل الأدب أفضل ما اكتسب، وأفضل ما انتخب، إذ هو ذخر لا يخاف كساده، وكنز لا يخشى انتقاصه وإن كثر مرتاده، ولله درّ القائل:
رأيت جميع الكسب يفقده الفتى ... وتبقى له أخلاقه والتّأدّب
إذا حلّ في أرضٍ أقام لنفسه ... بآدابه قدراً به يتكسّب
وأومأ كلٌّ نحوه، ولعلّه ... إلى غير أهلٍ للنباهة ينسب وقال في أثناء الكلام لبعض المغاربة:
فأثبتّ في كلّ المواطن همّةً ... إلى طلب العلم الذي كان مطّرح
وصيّرت من قد كان بالنّظم جاهلاً ... يحاوله كيما تجود لك المدح وقال أيضاً في الخطبة: وبعد، فهذا كتاب راحةٍ قد تعبت في جمعه الأسماع والأبصار والأفكار، وكل عناء سهل إذا أنجح القصد، وقد بدأ فيه من سنة ثلاثين وخمسمائة، ومنتهاه إلى غرة سنة إحدى وأربعين وستمائة، وقال: وأول