كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 2)
ومتاجر فخام (1) ، ولها ظاهر أنيق، وبساتين نضرة، ومنتزهات على ممر الأيام خضرة، وفي الفسطاط قبائل وخطط للعرب تنسب إليها كالكوفة والبصرة، إلاّ أنّها أقلّ من ذلك، وهي سبخة الأرض، غير نقية التربة، وتكون الدار بها سبع طبقات وخمساً وستّاً، وربما يسكن في الدار المائتان من الناس، ومعظم بنيانهم بالطوب، وأسفل دورهم غير مسكون، وبها مسجدان للجمعة، بنى أحدهما عمرو بن العاص في وسط الفسطاط، والآخر على الموقف (2) بناه ابن طولون، وكان خارج الفسطاط أبينة بناها أحمد بن طولون ميلاً في ميل يسكنها جنده، وتعرف بالقطائع، كما بنى الأغلب خارج القيروان رقّادة، وقد خربتا في وقتنا هذا، وأخلف الله بدل القطائع بظاهر مدينة الفسطاط القاهرة.
قال ابن سعيد (3) : لما استقررت بالقاهرة تشوّفت (4) إلى معاينة الفسطاط، فسار معي إليها أحد أصحاب القرية (5) ، فرأيت عند باب زويلة من الحمير المعدّة لركوب من يسير إلى الفسطاط جملة عظيمة، لا عهد لي بمثلها في بلد، فركب منها حماراً، وأشار إليّ أن أركب حماراً آخر، فأنفت من ذلك جرياً على عادة ما خلفته من بلاد المغرب، فأخبرني (6) أنّه غير معيب على أعيان مصر، وعاينت الفقهاء وأصحاب البزة والشارة الظاهرة يركبونها، فركبت، وعندما استويت راكباً أشار المكاري إلى الحمار، فطار بي، وأثار من الغبار الأسود ما أعمى عينيّ، ودنس ثيابي، وعاينت ما كرهته، ولقلة معرفتي بركوب الحمار وشدة عدوه على قانون لم أعهده، وقلة رفق المكاري، وقعت في تلك الظلمة المثارة من ذلك العجاج، فقلت:
__________
(1) كذا في ج؛ وفي ق: ضخام.
(2) الموقف: بقعة شمال الفسطاط (الانتصار لابن دقماق 4: 10) ؛ وفي ج: والآخر على الآخر.
(3) المغرب 1: 5 (قسم مصر) .
(4) كذا في ج والمغرب؛ وفي ق ودوزي: تشوقت.
(5) المغرب: العزمة.
(6) المغرب: فأعلمني.