كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 2)
نسجه في السقف والأركان والصبيان يلعبون في صحنه، وحيطانه مكتوبة بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتب فقراء العامّة (1) ، إلاّ أن مع ذلك على الجامع المذكور من الرونق وحسن القبول وانبساط النفس ما لا تجده في جامع إشبيلية مع زخرفته والبستان الذيفي صحنه، ولقد تأملت ما وجدت فيه من الارتياح والأنس (2) دون منظر يوجب ذلك، فعلمت ان ذلك سر مودع من وقوف الصحابة رضي الله تعالىعنهم في ساحته عند بنائه، واستحسنت ما أبصرته من حلق المتصدرين لإقراء القرآن والفقه والنحو في عدة أماكن، وسألت عن مواد أرزاقهم فأخبرت أنها من فروض الزكاة وما أشبه ذلك، ثم أخبرت أن اقتضاء ذلك يصعب إلا بالجاه والتعب. ثم انفصلنا من هناك إلى ساحل النيل، فرأيت ساحلاً كدير التربة، غير نظيف ولا متسع الساحة، ولا مستقيم الاستطالة، ولا عليه سور أبيض، إلا أنّه مع ذلك كثير العمارة بالمراكب وأصناف الأرزاق التي تصل من جميع أقطار النيل، ولئن قلت إنّي لم أبصر على نهر ما أبصرته على ذلك الساحل فإنّي أقول حقّاًن والنيل هنالك ضيق، لكون الجزيرة التي بنى فيها سلطان الديار المصرية الآن قلعته قد توسطت الماء ومالت إلى جهة الفسطاط، وبحسن سورها المبيض الشامخ حسن منظر الفرجة في ذلك الساحل. وقد ذكر ابن حوقل الجسر الذي يكون ممتدّاً من الفسطاط إلى الجزيرة، وهو غير طويل، ومن الجانب الآخر إلى البر الغربي المعروف ببر الجيزة (3) جسر آخر من الجزيرة إليه، وأكثر جواز الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب، لأن هذين الجسرين قد احترما لحصولهما في حيز قلعة السلطان، ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الفسطاط والجزيرة راكباً احتراماً
__________
(1) المغرب: العوام.
(2) ج ق: والحسن.
(3) في ج: ببر الجزيرة.