كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 2)
القول الثاني: الاعتداد بقولهم في الوفاق والخلاف. وهذا قال به القاضي عبد الوهاب (¬1)، والأستاذ أبو منصور البغدادي (¬2)، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، كما نسبه إليهم ابن الصلاح (¬3) (¬4).
وهؤلاء قالوا: ما اعتددنا بخلافهم؛ لأن مفردات المسائل عندهم حجة، ولكن لأن أقوالهم مثل أقوال غيرهم من العلماء، فيها السائغ، وبعضها القوي، وبعضها ساقط لا يُعتد به، ويلزم من لم يعتد بخلافهم ألَّا يعتد بخلاف من ينفي المرسل، ويمنع العموم، ومن حمل الأمر على غير الوجوب، وغيرها من المسائل الأصولية ولا قائل بهذا، ثم ما تفردوا به هو شيء من قبيل مخالفة الإجماع الظني،
¬__________
(¬1) عبد الوهاب بن علي بن نصر القاضي البغدادي، شيخ المالكية، تولى القضاء في العراق ومصر، وله كتب عظيمة في الفقه والخلاف، منها: "الإشراف"، "المعونة"، "التلقين"، "شرح المدونة". توفي عام (422 هـ). "ترتيب المدارك" (4/ 691)، "شجرة النور الزكية" (ص 103).
(¬2) عبد القاهر بن طاهر بن محمد التميمي الأستاذ أبو منصور البغدادي، إمام عظيم القدر، جليل المحل، كثير العلم، حبر لا يساجل في الفقه وأصوله والفرائض والحساب وعلم الكلام، وكان ذا مال وثروة ومروءة، أنفقه على أهل العلم والحديث حتى افتقر، من آثاره: "التكملة في الحساب". توفي عام (429 هـ). "طبقات الشيرازي" (ص 226)، "طبقات ابن الصلاح" (2/ 553)، "طبقات السبكي" (5/ 136).
(¬3) عثمان بن عبد الرحمن بن موسى بن أبي نصر الكردي الشهرزوري تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح الشافعي، ولد عام (577 هـ)، أحد الأئمة الأعلام بالغ في الطلب حتى صار يضرب به المثل، وكان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه، وله مشاركة في فنون عدة، مع ما فيه من الدين والصيانة والعبادة، من آثاره: "مشكل الوسيط"، "علوم الحديث"، "فوائد الرحلة". توفي عام (643 هـ). "طبقات السبكي" (8/ 326)، "طبقات ابن شهبة" (2/ 115).
(¬4) "البحر المحيط" (3/ 425)، "فتاوى ابن الصلاح" (1/ 207)، "طبقات السبكي" (2/ 289)، "سير أعلام النبلاء" (13/ 105). قال ابن الصلاح: [وهذا الذي استقر عليه الأمر آخرا كما هو الأغلب الأعرف من صفو الأئمة المتأخرين الذين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم المشهورة كالشيخ أبي حامد الإسفراييني والماوردي والقاضي أبي الطيب، فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم المشهورة]. ومذهب هؤلاء مبني على تجزء الاجتهاد عند العلماء، أما من يرى عدم تجزء الاجتهاد فهو مع القول الأول.