كتاب غريب الحديث للخطابي (اسم الجزء: 2)

وتصرف في بيع وشراء وإنما جعله فاجرا لأن البيع والشراء مظنة للفجور لكثرة ما يجري في البيوع من الأيمان الكاذبة ولما يقع فيها من الغبن والتدليس ولما يشوبها ويدخلها من الربا الَّذِي لا يتحاشاه كثير من التجار بل لا يشعرون به ولا يفطنون لموضعه لدقة علمه ولطف مسلكه.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا يُفْتِي وَيُسْتَفْتَى ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا شَاءَ أَمْ أَبَى. وقِيلَ لِلْحَسَنِ أَنُصَلِّي خَلْفَ الصَّيْرَفِّيِّ فَقَالَ ذَاكَ الْفَاسِقُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ تَاجِرٍ بِعَيْنِهِ فَاجِرٌ وَلا أَنَّ التِّجَارَةَ فُجُورٌ وَلَكِنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لَمَّا كَثُرَ وُجُودُهَا فِي التُّجَّارِ أُضِيفَتْ إِلَى جَمَاعَتِهِمْ وَصَارَتْ سِمَةً لِعَامَّتِهِمْ وَهَذَا كَقَوْلِهِ أَكْثَرُ مُنَافِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ قُرَّاؤُهَا 1.
لم يرد بهذا أن القراءة نفاق وأن القارئ منافق وإنما أراد أن الرياء في القراء كثير والإخلاص فيهم قليل والرياء من صفة المنافقين قَالَ اللَّه تعالى: {يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً} 2.
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسَدِ أخبرنا الدبري عن عبد الرزاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ شَيْخًا [107] يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الدرداء وأظنه شهر ابن حَوْشَبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه: "الزَّرْعُ أَمَانَةٌ / وَالتَّاجِرُ فَاجِرٌ" 3. فَجَعَلَ الأَمَانَةَ فِي الزَّرْعِ لِسَلامَتِهِ مِنْ هَذِهِ الآفَاتِ وَجَعَلَ الْفُجُورَ فِي التِّجَارَةِ. لِمَا يُعْرَضُ فِيهَا مِنَ الأسباب التي ذكرناها
__________
1 أخرجه أحمد في مسنده "2/ 175" من حديث عَبْد اللَّه بن عمرو وفي "4/ 151 – 155" من حديث عقبة بن عامر.
2 سورة النساء: "142".
3 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه "11/ 459".

الصفحة 278