كتاب حسن التنبه لما ورد في التشبه (اسم الجزء: 2)

ثم قال تعالى مرغَّباً في هذه التجارة، وحاثًّا عليها بأرشق عبارة: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)} [آل عمران: 115].
وفي قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44)} [التوبة: 44]: إشارة إلى أن عماد هذه التجارة الإخلاص فيها والصِّدق، اللذان هما عبارة عن التقوى؛ لأن التقوى محلها القلب، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث رواه مسلم: " التَّقْوَىْ هَاهُنا" (¬1)، وأشار إلى صدره الذي هو هيكل قلبه، ولا شك أن الإخلاص والصدق هما عمدة الأفعال القلبية التي مبنى الصلاح عليها، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث "الصحيحين": "أَلا إِنَّ فِيْ الْجَسَدِ مُضْغَةً، مَتَىْ صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ" (¬2).
ولذلك كان من أسئلة الصالحين طلب إصلاح القلوب.
روى ابن أبي الدنيا في كتاب "المنامات" عن صالح المُرِّي رضي الله تعالى عنه قال: كنت أقول: اللَّهُمَّ لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فناداني منادٍ من ناحية البيت: يا صالح! زدنا فيها: اللهم إليك أشكو فساد قلبي، وإياك أستعين على صلاحه (¬3).
وروى الحاكم في "تاريخ نيسابور" عن عبد الله بن عمرو رضي الله
¬__________
(¬1) رواه مسلم (2564).
(¬2) تقدم تخريجه.
(¬3) رواه ابن أبي الدنيا في "المنامات" (ص: 79).

الصفحة 172