كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 2)

بعتُهُ، فقال (¬1) النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أَوَليسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟ "، فقال الأعرابي: لا واللهِ ما بعتُكهُ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "بَلْ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ"، فطفق الأعرابيُّ يقول: هَلُمَّ شهيدًا، فقال خُزَيْمَةُ: أنا أشهد أنكَ قد بايعته، فأقبل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على خزيمةَ وقال: "بمَ تَشْهَدُ؟ " فقال: بتصديقك يا رسول الله! فجعلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - شهادةَ خُزَيْمَةَ شهادَةَ رجلين (¬2).
فلو كان الإشهادُ واجبًا، لما بايع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من غيرِ شهود، ولَبَيَّنَ ذلك بفعله.
* ثم كرر اللهُ سبحانه الأمرَ بالكتابة، ونهى الكاتبَ عن الامتناع من أن يكتبَ كما علَّمه الله، فقال: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ}.
ولا يخفى أن القيامَ بالكتابة للصُّكوك وحفظ الحقوق فرضٌ على الكفاية؛ كالقيام بالشهادة (¬3)، وقد جعلها الله سبحانه قرينةً للشهادة، وإن
¬__________
(¬1) في "ب": "فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال".
(¬2) رواه أبو داود (3607)، كتاب: الأقضية، باب: إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، والنسائي (4647)، كتاب: البيوع، باب: التسهيل في ترك الإشهاد على البيع، والإمام أحمد في "المسند" (5/ 215)، وابن سعد في "الطبقات" (4/ 378)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 146)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 66)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (16/ 367).
(¬3) اختلف العلماء في حكم الكتابة على الكاتب على أقوال:

1 - هي فرض على الكفاية، كالجهاد والصلاة على الجنائز. قاله الشعبي.

2 - فرض على الكاتب في حال فراغه. وهو قول السدي وبعض أهل الكوفة.

3 - واجبة عليه. قاله عطاء ومجاهد. ونسب إليهما ابن العربي القول بالندبية.

4 - ذلك منسوخ بقوله تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. قاله الضحاك.
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 329)، و"معالم التنزيل" للبغوي =

الصفحة 167