كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 2)

- وذهب أبو حنيفةَ إلى أنها ظاهرُ الإسلامِ ما لم يُعْلَمْ جَرْحُه وفِسْقُهُ (¬1).
وهو محجوج بهذه الآية؛ لأن الله سبحانه شرطَ في الشهيدين من رجالِنا أن يكونا ممَّنْ نرضاهُما، والرضا صفةٌ زائدةٌ عليهما، فلا بدَّ من اشتراطها (¬2)، ثم ناقض أبو حنيفةَ أصلَه، وجَوَّزَ انعقادَ النكاحِ بشهادة الفاسِقَيْن (¬3)، وكان هذا أولى بعدم الجواز (¬4).
الخامسة: تخصيصُ الشهادةِ بالرجلين، أو المرأتين مع الرجل يقتضي حَصْرَ الحُجَّةِ في ذلك، وأن اليمينَ مع الرجل الواحد لا يقوم بها الحقُّ.
¬__________
= (2/ 1/ 359)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 150)، و"الذخيرة" للقرافي (10/ 201)، و"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 341).
(¬1) هذا قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكتفى بالعدالة الظاهرة، بل لا بد من السؤال عن حال الشاهد سرًا وعلانية في سائر الحقوق. والفتوى على قولهما في هذا الزمان. انظر: "الهداية" للمرغيناني (3/ 1096)، و"بدائع الصنائع " للكاساني (5/ 405)، و"البناية" للعيني (8/ 136)، و"رد المحتار" لابن عابدين (8/ 159).
(¬2) قال العيني في "البناية" (8/ 139) بعد سَوق قول أبي حنيفة وقول الصاحبين: وقيل هذا -أي: الخلاف- اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، وبيانه: أن أبا حنيفة كان في القرن الثالث الذي شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخيرية لأهله حيث قال: "خير القرون رهطي الذي أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يحلف الرجل قبل أن يستحلف، ويشهد قبل أن يستشهد"، وهما كانا في القرن الرابع الذي شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بفشو الكذب في أهله، فلهذا شرطا الاستكشاف، ولو شاهد أبو حنيفة ذلك لقال بقولهما.
(¬3) في "الفتاوى الخانية" (2/ 460) ما نصه: الفسق لا يمنع أهلية الشهادة عندنا، فينعقد النكاح بحضرته، وإنما يمنع أداء الشهادة لتهمة الكذب. وانظر: "البناية" للعيني (4/ 494).
(¬4) انظر شيئًا من التعقب على أبي حنيفة في "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 336)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 360).

الصفحة 173