كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 2)

وروينا فيه -أيضًا- عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: أن امرأة من جُهينةَ جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحجَّ، فلم تَحُجَّ حتى ماتَتْ، أفأحجُّ عنها؟ فقال: "حُجِّي عَنْها، أَرَأَيْتِ لَوْ كانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللهَ؛ فإنَّ اللهَ (¬1) أَحَقُّ بالوفاء" (¬2).
- وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: لا يجبُ الحَجُّ على المستطيع بغيرهِ (¬3)؛ أخذًا بالقياسِ على سائر الأصولِ في منع النيابة في العبادات، والخبرُ مخصوصٌ بحالةِ الموتِ، ومقصورٌ عليها؛ ولأن الخبرَ إذا خالفَ القياسَ أو قياسَ الأصول، فهو مردودٌ عندَ أبي حنيفةَ ومالكٍ (¬4).
واختلف قولُ الشافعيِّ -رضي الله تعالى عنه- في جواز النيابة في حَجِّ
¬__________
= (1334)، كتاب: الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما، أو للموت.
(¬1) في "ب": "فالله".
(¬2) رواه البخاري (1754)، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد.
(¬3) انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (12/ 62)، و"التفريع" لابن الجلاب (1/ 315).
وقد اختلف الحنفية في وجوب الحج على المعضوب الذي يستطيع الحج بغيره: فروي عن أبي حنيفة: أنه يجب عليه الحج، وينيب غيره في ذلك، وهو ظاهر الرواية عن أبي يوسف ومحمد، وهو الذي نقله عنه أصحاب المذاهب الأخرى، كما تقدم.
وروي عنه في المشهور: أنه لا يجب عليه، وهو رواية عن أبي يوسف ومحمد، وهو الذي مشى عليه أكثر الحنفية، كما أن القول الأول قد رجحه الكثير منهم.
انظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (2/ 295)، و"البحر الرائق" لابن نجيم (2/ 335)، و"البناية" للعيني (4/ 10)، و "رد المحتار" لابن عابدين (3/ 405).
(¬4) قلت: فيما نقله المصنف -رحمه الله- عنهما نظر.

الصفحة 201