كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 2)

وقوله تعالى: {حِجُّ الْبَيْتِ} خاص في السفر الواجب إلى البيت، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل لامرأة" خاصٌّ بالنساء، وقوله: "أن تسافر مسيرة يوم" عامٌّ في سفرِ الحج وغيره، فيفزع الناظر حينئذ إلى الأدلة الخارجة؛ إذ ليس أحدُ التخصيصين أولى من الآخَرِ.
فنظرنا فوجدنا حديثًا رواه عديُّ بنُ حاتمٍ -رضي الله تعالى عنه-: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لَتوشِكُ الظعينةُ (¬1) أن تَخْرَجَ مِنْها- أي: الحِيْرةِ (¬2) - بغير جِوارٍ حَتَّى تَطوفَ بالكَعْبَةِ"، قال عديٌّ: فلقد رأيتُ الظعينةَ تخرجُ من الحيرةِ حتى تطوفَ بالكعبةِ بغير جوارٍ (¬3).
وتأوله مخالفُهما على أن ذلك شرطٌ للجواز، لا للوجوب، والمعنى يردُّ هذا التأويلَ؛ لأنه إنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سفرها بغير محرم؛ للخوفِ عليها، فإذا أمنتْ على نفسها، وزال خوفُها، جاز لها السفرُ، ووجب عليها الحجُّ.
فإن قلت: فما حكمُ السفر الجائزِ عندَ الأمنِ، هل يكونُ كسفرِ الحجِّ الواجبِ أو لا؟
¬__________
(¬1) أصل الظعينة: الراحلةُ التي يُرحَلُ ويُظعَنُ عليها أي يُسَارُ، وقيل: الظعينةُ هي المرأَةُ في الهودج، ثم قيل للهودج بلا امرأة، وللمرأة بلا هودجٍ: ظعينة. "اللسان" (مادة: ظعن) (13/ 271).
(¬2) "أي الحيرة" ليست في "ب".
(¬3) رواه الإمام أحمد في "المسند" (4/ 377)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (36606)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (6614)، وفي "الأحاديث الطوال" (196)، وابن حبان في "صحيحه" (6679)، والدارقطني في "سننه" (2/ 222)، والحاكم في "المستدرك" (8582)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (40/ 74).

الصفحة 204