كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 2)

والنهي يقتضي التحريمَ والفسادَ على قولِ أكثرِ الأصوليين، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - لما بلغ الثلث، وأجازه مع استكثاره له وكراهته الوصية به، ومحبته لِما هو دونه؛ حيث قال: "الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ، إنك أن تذرَ ورثتكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهم (¬1) عالَه يتكففُونَ الناسَ"، دلَّ ذلك على أنه محلُّ الجَواز، وأن ما فوقه غيرُ مَحَل للجواز، ولأنه روي عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن الخطابَ واردٌ مع الموصي أيضًا.
فإن قلتم: هذا الحكمُ قيده الله سبحانه بوصفين، فما الحكمُ لو لم يترك ذريةً (¬2)، أو ترك ذريةً بالِغينَ غيرَ ضعفاءَ؟
فالجواب:
* أنه اختلفَ أهلُ العلم فيما إذا لم يتركْ ورثةً:
فمنعه مالكٌ، والشافعيُّ، وأهلُ المدينة، والأوزاعيُّ، وأحمدُ في أحد قوليه (¬3).
وجوّزَه أبو حنيفةَ، وإسحاقُ، وأحمدُ في قوله الآخر (¬4).
¬__________
(¬1) في "ب": "تدعهم".
(¬2) في "ب": "ورثة".
(¬3) وهو قول جمهور أهل العلم، وإليه ذهب جماعة فقهاء الأمصار. انظر: "التمهيد" (8/ 380)، و"الاستذكار" كلاهما لابن عبد البر (23/ 33)، و"المغني" لابن قدامة (8/ 516)، و"التفريع" لابن الجلاب (2/ 324)، و"روضة الطالبين" للنووي (6/ 108)، و "فتح الباري" لابن حجر (5/ 464).
(¬4) وقال به غير واحد من الصحابة والتابعين. انظر: "التمهيد" (8/ 381)، و"الاستذكار" (23/ 32)، و "المغني" لابن قدامة (8/ 516)، و "رد المحتار" لابن عابدين (10/ 281).
وهذا القول هو المذهب عند الحنابلة. انظر: "الإنصاف" للمرداوي (7/ 192).

الصفحة 254