كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 2)

والراجح إلحاقُ أبي حنيفةَ؛ لأن إلحاقَ الشيء بالأصول التي من جنسه أولى من غير جنسه، ويَعْضِدُه الحديثُ وظاهرُ القرآن.
أما الحديث، فما روينا في "الصحيحين" من حديثِ أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: أتى رجلٌ من المسلمين رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله إني زنيت، فأعرضَ عنه، فتنحَّى تِلقاءَ وجهه، فقال: يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه حتى عَدَّ (¬1) أربع مراتٍ، فلما شهدَ على نفسه أربعَ شهادات (¬2)، دعاهُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "أَبكَ جُنونٌ؟ " قال: لا، قال: "فَهَلْ أَحصَنْتَ؟ " قال: نعم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اذْهَبُوا بِهِ فارْجمُوُهُ" (¬3).
وأما ظاهرُ القرآن العزيز، فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135]، فسمى الإقرارَ شهادةً، وقد (¬4) اشتركا في التسمية، فاعتبر فيها العددُ؛ كشهادة الغير.
وأما إطلاقُ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "واغْدُ يا أنيْسُ عَلى امْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ، فَارجُمْها" (¬5)، محمولٌ على تقييد حديث أبي هريرةَ -رضي الله تعالى
¬__________
(¬1) في "ب": "ثنى عليه".
(¬2) قال الإمام ابن دقيق العيد في "شرح عمدة الأحكام" (4/ 117): وفي قول الراوي: "فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ... " إشعارٌ بأن الشهادة أربعًا هي العلة في الحكم.
(¬3) رواه البخاري (6430)، كتاب: المحاربين، باب: لا يرجم المجنون والمجنونة، ومسلم (1691)، كتاب: الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا.
(¬4) في "ب": "فقد".
(¬5) رواه البخاري (6440)، كتاب: المحاربين، باب: الاعتراف بالزنا، ومسلم (1697)، كتاب: الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا، عن أبي هريرة،=

الصفحة 292