كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 2)

جاؤوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكروا (¬1) أن امرأةً منهم ورجلا زَنَيا، فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما تجدونَ في التَّوراةِ في شأنِ الرَّجْمِ؟ "، فقالوا: نفضحهم، ويجلدون، قال عبدُ الله بنُ سَلامٍ: كذبتم، فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضعَ أحدُهم يدَه على آية الرجم، فقرأ ما قبلها، وما بعدَها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفعْ يدكَ، فرفعِ يدَهُ، فإذا فيها آيةُ الرجمِ، فقال: صدقتَ يا محمَّد، فأمر بهما النبي -صلى الله عليه وسلم-، فرُجِما (¬2).
واعتذر الحنفيةُ: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رجمهما بحكمِ التوراةِ، وأن ذلكَ عندَ قدومِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ (¬3)، وادَّعَوا أن آيةَ الرجمِ نزلتْ بعد ذلك، فكانَ (¬4) الحديثُ منسوخاً (¬5).
وهذا خطأ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما تَجِدُونَ في التوراةِ في شَأنِ الرَّجْمِ؟ "، فدلَّ على أن ذلكَ بعدَ نزولِ الرجمِ وتقرُّرهِ عندَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، والنسخُ يحتاج إلى تاريخٍ، وبعيدٌ أن يجدوه منقولاً. ولو اعتذروا بكونِ ذلك عقوبة كليَّة جاءت خصيصًا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - مؤاخذةً لهم من عند الله سبحانه بنقيضِ قصدِهم؛ حيث قصدوا الرخْصَةَ معَ وجُودِ حكمِ اللهِ عندَهم الذي استُحفظوه، وكانوا
¬__________
(¬1) في "ب" زيادة "له".
(¬2) رواه البخاري (6450)، كتاب: المحاربين، باب: أحكام أهل الذمة وإحصانهم، إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام، ومسلم (1699)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنا.
(¬3) انظر: "المبسوط" للسرخسي (9/ 41)، و"شرح عمدة الأحكام"، لابن دقيق (4/ 121)، و"فتح الباري" لابن حجر (12/ 170).
(¬4) في "ب": "وكان".
(¬5) قال ابن دقيق العيد: وهذا يحتاج إلى تحقيق التاريخ؛ أعني: ادعاء النسخ. انظر: "شرح عمدة الأحكام" (4/ 121) وعنه نقل المؤلف -رحمه الله- اعتذار الحنفية.

الصفحة 295