كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 2)

بالإناثِ، وهو قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ} على الذكور؛ إذ لا يُعرف في اللسان أن جمعَ الإناثِ يتناولُ الذكورَ، لا منفردينَ ولا مجتمعين مع الإناث، نعم يجوزُ في لغةٍ شاذةٍ إطلاقُ جمعِ المؤنثِ على جمع (¬1) المذكر مَجازًا في جمع الموصولِ خاصَّة؛ كقولِ الشاعر: [البحر الوافر]
فَما آباؤُنا بأمنَّ مِنْهُ ... عَلَينا اللائي قَدْ مَهَدُوا الحُجُورَا (¬2)
ولا يجوزُ تنزيلُ قولهم على هذا؛ لأن القرآن لم يردّ باللغة الشاذة، ولو لم تكن شاذةً، لَمّا جازَ؛ لقولهِ تعالى: {يَأْتِينَ}، ولو كانَ المرادُ به اللغة المذكورة لقال: يأتون؛ كقوله: مهدوا الحُجورا، وللتقييد بالنساء؛ كقوله تعالى: {مِنْ نِسَائِكُمْ}، فليس على تخصيصهم إحدى الآيتين بإحدى الصفتين دليلٌ، وإنما هو تحكُّمٌ باطل.
* ثم اختلف أهلُ العلم:
- فقال بعضهم: هذه الآيةُ منسوخةٌ بآية الجَلْد (¬3) (¬4)؛ بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "قد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا"، وأضاف البيانَ إلى اللهِ تعالى.
- وقال بعضُهم (¬5): ليست منسوخةً؛ لأن الله سبحانه علقَ البيانَ بوقتٍ،
¬__________
(¬1) "جمع" ليست في "أ".
(¬2) البيت لرجل من بني أسلم. انظر: "شرح ابن عقيل" (1/ 145). وانظر الكلام فيه على جواز إطلاق جمع المؤنث على المذكر.
(¬3) في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ...} الآية: [النور: 2].
(¬4) انظر: "تفسير الطبري" (4/ 297)، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي (ص: 214)، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: 309)، و"أحكام القرآن" للجصاص (3/ 44)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (2/ 36)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (2/ 22).
(¬5) هو مكي بن أبي طالب في "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" (ص: 214).

الصفحة 297