كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 2)

باردةٍ في غَزاةِ ذاتِ السلاسل، فأشفقت إن اغتسلتُ أن أهلكَ، فتيمَّمْتُ وصلَّيتُ بأصحابي صَلاةَ الصبح، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ياعَمْرُو! صَلَّيْتَ بأَصْحابكَ وأَنْتَ جُنُبٌ؟ " فقلت: سمعت اللهَ يقول: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، فضحك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يقلْ شيئاً (¬1) (¬2)، فاستدلوا بقوله وبإقراره على أن ذلك في معنى المَرَض؛ لوجود العلَّةِ فيهما، وهو الضررُ باستعمال الماء.
* وجَوَّزوا التيمُّمَ عندَ العجزِ عن الوصولِ إلى الماء، إما لخوفِ عدوٍّ أو سَبُعٍ، أو عدمِ آلةٍ يغرفُ بها الماء؛ لوجود العلَّةِ، وهي العجزُ عن الماء، فهو كالذي لم يجدِ الماء (¬3).
* واختلفوا في الصحيحِ إذا عدم الماءَ في الحَضَرِ.
فقال أبو حنيفة: لا يتيمَّمُ، ويقفُ إلى أن يجد الماء؛ عملاً بمفهوم التخصيص بالصفتين، ولمفهوم الشرط، وهو السفر (¬4).
¬__________
(¬1) رواه أبو داود (334)، كتاب: الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد، أيتيمم؟، والإمام أحمد في "المسند" (4/ 203)، والدارقطني في "سننه" (1/ 178)، والحاكم في "المستدرك" (629)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 225)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (46/ 147).
(¬2) وهذا الحديث أيضاً لا يصلح للاستشهاد لأن عمرو -رضي الله عنه - كان في غزوة ذات السلاسل كما صرح في أول الحديث، أي: أنه كان مسافراً.
(¬3) انظر: "الأم" للشافعي (1/ 46)، و"المجموع" للنووي (2/ 286)، و"أحكام القرآن" للجصاص (4/ 15)، و"المبسوط" للسرخسي (1/ 114)، و"المغني" لابن قدامة (1/ 151).
(¬4) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (3/ 170)، و"الهدية شرح البداية" للمرغيناني (1/ 25)، و"رد المحتار" لابن عابدين (1/ 249).

الصفحة 401