كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 2)

كانت فينا امرأةٌ، وفي رواية: كانت لنا عجوزٌ، تأخذُ من أُصولِ السِّلْقِ، فتطرحُهُ في القِدْرِ، وتُكَرْكِرُ (¬1) عليه حَبَّاتٍ من شعير، فإذا صَلَّينا الجمعةَ، انصرفْنا، فنسلمُ عليها، فتقدمُه إلينا (¬2).
وما رويناه في "صحيح مسلم" عن أم هانئ بنتِ أبي طالبٍ -رضي الله تعالى عنها - قالت: أتيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ الفَتْحِ وهو يَغْتَسِلُ، وفاطمةُ تسترُهُ، فَسَلَّمْتُ، وذَكَرَتِ الحديثَ (¬3)، وسيأتي ذكرُ أقوالِ العلماءِ عندَ الكلامِ على الابتداء بالتحية.
- وأما الكافرُ، فإن كان كتابِيًّا، فحُكي عن مالكٍ وطائفةٍ من أهلِ العلمِ أنهم قالوا بعدم الردِّ (¬4)، وظني أنهم أرادوا عَدَمَ وُجوبِ الرَّدِّ، وأما جوازُه فما أظنُّ فيه خلافاً؛ لصحةِ الأحاديثِ الواردةِ في ذلكِ من فِعْلهِ وقوله - صلى الله عليه وسلم -.
وذهبَ جُمهور السلفِ كابنِ عباس والشعبي وقتَادة إلى مشروعيَّةِ الردِّ عليهم (¬5)، وبه قال الشافعيُّ (¬6)، واحتج له بالأحاديثِ الواردةِ في صفةِ
¬__________
(¬1) قال القعنبي: تُكركر، أي تطحن، وسُمّيت كركرةً، لترديد الرمى على الطحن؛ "اللسان" (مادة كرر) (5/ 138).
(¬2) رواه البخاري (5894)، كتاب: الاستئذان، باب: تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال.
(¬3) رواه البخاري (276)، كتاب: الغسل، باب: التستر في الغسل عن الناس، ومسلم (336)، كتاب: الحيض، باب: تستر المغتسل بثوب، ونحوه.
(¬4) انظر: "شرح مسلم" للنووي (14/ 32)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 42).
(¬5) انظر: "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للخطيب البغدادي (1/ 398)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (5/ 304)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 42).
(¬6) وهو مذهب الحنفية، لكن لا يزيد على قوله: وعليكم. انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (14/ 147)، و"شرح مسلم" للنووي (14/ 145)، و"أحكام أهل=

الصفحة 425