كتاب الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان لابن أبي الدنيا - ط أطلس الخضراء = مقابل

16 - حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ حَاتِمَ بْنَ عُطَارِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَبْطَالِ، قَالَ: بُعِثْتُ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَمَعِي سِتَّةُ أَحْمَالِ مِسْكٍ، فَمَرَرْتُ بِدَارِ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَأُدْخِلْتُ عَلَيْهِ، فَمَرَرْتُ بِدَارٍ مَا فِيهَا مِنَ الثِّيَابِ وَالنَّجْدِ بَيَاضٌ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ مِنْهَا إِلَى دَارٍ أُخْرَى صَفْرَاءَ، وَمَا فِيهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ مِنْهَا إِلَى دَارٍ حَمْرَاءَ وَمَا فِيهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ إِلَى دَارٍ خَضْرَاءَ، وَمَا فِيهَا كَذَلِكَ، فَإِذَا أَنَا بِأَيُّوبَ وَجَارِيَةٍ لَهُ عَلَى سَرِيرٍ مَا أَعْرِفُهُ مِنَ الْجَارِيَةِ، قَالَ: وَلَحِقَنِي مَنْ كَانَ فِي تِلْكَ الدُّورِ, فَانْتَهَبُوا مَا مَعِي مِنَ الْمِسْكِ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْهَا، فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى سُلَيْمَانَ صَلَّيْتُ الْعَصْرَ فِي مَسْجِدِهِ، فَقُلْتُ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِي: هَلْ شَهِدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الصَّلاَةَ؟ فَأَشَارَ إِلَى سُلَيْمَانَ, فَأَتَيْتُهُ فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ: أَنْتَ صَاحِبُ الْمِسْكِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: اكْتُبُوا لَهُ بِالْمُوَافَاةِ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِدَارِ أَيُّوبَ بَعْدَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِذَا الدَّارُ بَلاَقِعُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: طَاعُونٌ أَصَابَهُمْ.
17 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: كَانَ أَيُّوبُ وَلَّى عَبْدِ اللهِ مِنْ بَعْدِهِ، قَدْ رَشَّحَهُ لِلْخِلاَفَةِ، فَأَصَابَهُ الطَّاعُونُ، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ, دَخَلَ عَلَيْهِ سليمان (1)، فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَازِنِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ, أَبُو عُثْمَانَ، ثِقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: لَمَّا احْتُضِرَ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ, دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسَعْدُ بْنُ عُقْبَةَ، وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، فَخَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ، وَقَالَ: مَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ أَنْ يَسْبِقَ إِلَى قَلْبِهِ الْوَجْدُ، وَلَيْسَتْ مِنْكُمْ وَحْشَةٌ، وَإِنِّي أَجِدُ فِي قَلْبِي لَوْعَةً, إِنْ لَمْ أُسَكِّنْهُ بَعَبْرَةٍ انْصَدَعَتْ كَبِدِي كَمَدًا وَأَسَفًا، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الصَّبْرُ أَوْلَى بِكَ، فَنَظَرَ إِلَى سَعْدٍ, وَرَجَاءٍ نَظْرَةَ مُسْتَغِيثٍ، فَقَالَ لَهُ رَجَاءٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، افْعَلْ مَا لَمْ تَأْتِ الأَمْرَ الْمُفْرِطَ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَتَّجِعُ الْقَلْبُ، وَلاَ نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ, فَبَكَى سُلَيْمَانُ بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ رَقَأَتْ عَبْرَتُهُ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ مَاتَ أَيُّوبُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ دَفْنِهِ وَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ:
وُقُوفٌ عَلَى قَبْرٍ مُقِيمٍ بِقَفْرَةٍ ... مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيبٍ مَفَارِقِ
ثُمَّ قَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَيُّوبُ، ثُمَّ قَالَ:
كُنْتَ لَنَا أُنْسًا فَفَارَقْتَنَا ... فَالْعَيْشُ مِنْ بَعْدِكَ مُرُّ الْمَذَاقِ
وَقُرِّبَتْ إِلَيْهِ دَابَّتُهُ فَرَكِبَ، ثُمَّ عَطَفَ إِلَى الْقَبْرِ، فَقَالَ:
فَإِنْ صَبَرْتُ فَلَمْ أَلْفِظْكَ مِنْ شِبَعٍ ... وَإِنْ جَزِعْتُ فَعِلْقٌ مُنْفِسٌ ذَهَبَا.
_حاشية__________
(1) في طبعة دار أطلس: "أَيُّوبُ"، والمثبت عن طبعة دار البشير، وأشار إلى ذلك محقق طبعة دار أطلس وقال: هو أليق بالسياق، ومع ذلك لم يثبته في المتن.

الصفحة 427

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text